«دلجا».. «قرية الفتنة» تعلن الاستقلال


دلجا قرية الفتنة فى الهواء مزيج من روائح كثيرة تختلط ببعضها البعض؛ رغيف خبز طازج، «دقية» بامية بلحم الضأن، تراب مرشوش للتو بالمياه، دخان شيشة بنكهة التفاح. بقايا روث لبهائم كانت تعبر الطريق منذ قليل. وفى نفس الوقت تسير الحياة سيرها الطبيعى، رجال يتسامرون على المصاطب وأمام المنازل، سيدات وفتيات يذهبن ويجئن فى حركة هادئة للغاية، أطفال يتسابقون فى الشوارع، وأصوات أغان ممتزجة بنشرة أخبار تبثها إحدى الفضائيات. تلك هى واجهة الصورة فى قرية دلجا، التابعة لمركز دير مواس بمحافظة المنيا. أما الخلفية فتستكين فيها حكايات مرعبة عن قتل لمواطنين، وحرق كنائس ومبان حكومية، ونهب منازل لمسيحيين، وطرد موظفين عموميين، ومقاومة قوات الشرطة، وإطلاق رصاص حى على قوات الجيش، وإغلاق مداخل القرية تماماً، ومنع قوات الأمن من الدخول إليها، فيما السلاح يتنقل من يد ليد بخفة وسهولة.
«الوطن» نجحت فى اختراق الحصار الذى يضربه أهالى القرية حول قريتهم، منذ 14 أغسطس الماضى، طافت الشوارع، وزارت الكنائس المحترقة، واستمعت إلى أصوات الجميع، المسيحيين الذين يطالبون بإصلاح ما وقع لكنائسهم ومنازلهم، واستعادة ما تم نهبه منهم، والمسلمين الذين يستنكرون ما وقع على جيرانهم من اعتداءات نسبوها لبلطجية من خارج القرية، فيشكلون لجاناً شعبية لحماية المسيحيين، وما تبقى من كنائسهم، ويجرون محاولات للمصالحة بين كبار العائلات، يتم فيها إصلاح ما فسد على نفقة الجمعية الشرعية بالقرية، بينما تتعالى أصوات الجميع بضرورة عودة الأمن، مع التحفظ على أى محاولة من قوات الشرطة أو الجيش باقتحام القرية عنوة، وإلا فسيحدث ما لن تحمد عقباه.
على بعد ما يقرب من 17 كيلو مترا من مركز دير مواس، بجنوب محافظة المنيا تقع قرية دلجا. اختلفت التفاسير فى بيان سبب تسمية القرية بهذا الاسم، فمن قائل إن تاريخ تسميتها يعود للعصر الفرعونى، ومن قائل إن أصل التسمية مستمد من مقاومة القرية للحملة الفرنسية نهايات القرن الثامن عشر، إذ إن معنى دلجا هو «الحصن المنيع». غير أن على باشا مبارك صاحب «الخطط التوفيقية» ذكر فى مؤلفه الشهير أن اسم القرية فى الكتب القديمة كان «تجلى»، وفى دفاتر التعداد «دلجة». يتحدث مبارك عن القرية باعتبارها «بلدة كبيرة من قسم ملوى من مديرية أسيوط داخل حوض الدلجاوى قبلى اليوسفى قريبة من حاجز الجبل الغربى»، وهو فى هذا محق تماماً، إذ إن القرية التى تقع فى أقصى جنوب محافظة المنيا، كانت تابعة قديماً لمركز ملوى، الذى كان تابعاً بدوره لمحافظة أسيوط، قبل أن يلحق بها تقسيم إدارى جديد وقع فى عام 1938 بالمنيا، كآخر قرية على حدودها مع أسيوط.

جلسات مصالحة بين الأهالى تبحث إعادة ترميم ما تم تخريبه.. وتعويض أصحاب المنازل التى تم نهبها
يستفيض على باشا مبارك فى وصف القرية التاريخية فيقول إن «بها جوامع ونخيل، ولها سوق جمعى، وكان فيها دير وكنيسة باسم مارى أنوفر»، هذا قبل أن يذكر قصة المعركة التى يصفها بـ«المقتلة العظيمة»، والتى وقعت فى القرية بين عساكر محمد على باشا ومجموعة من أمراء المماليك، على رأسهم إبراهيم بك، فى أوائل القرن التاسع عشر الميلادى، حيث كانت «الغلبة للباشا على المماليك، وأخذ منهم أسرى، وهرب الباقون إلى أقصى الصعيد». ثم ينتقل مبارك للحديث عن أهالى دلجة فيقول إنهم «ذوو كرم وشجاعة، ومنهم العلماء والأفاضل قديماً».
وبعيداً عن على مبارك وخططه التوفيقية فإن قرية دلجا، التى تتبع حالياً مركز ديرامواس، التابع لمحافظة المنيا، لها مدخلان وحيدان، أولهما يطل على الطريق الزراعى، والآخر على الصحراوى، والأخير تم إغلاقه مؤخراً بسيارات محروقة وأعمدة كهرباء، لمنع قوات الجيش من الدخول للقرية. والقرية كبيرة بحق، يقول عنها فتحى أحمد عبدالعال 48 سنة، جزار، وأحد سكانها، إن تعدادها يصل لحوالى 120 ألف نسمة، نصفهم تقريباً لهم حق التصويت الانتخابى، فيما يمثل المسيحيون 20% من إجمالى عدد السكان. وبالقرية حوالى 25 مدرسة ابتدائية، و5 معاهد أزهرية، 15 مدرسة إعدادية وثانوية، وما يقرب من 60 مسجداً و5 كنائس لطوائف مختلفة، وفى حين توجد فى القرية نقطة شرطة، فإن مركزها الصحى الوحيد يتعطل عن العمل، فيضطر الأهالى للجوء إلى المركز الصحى بدير مواس إذا حدث وتعرض أحدهم لأى أزمة صحية.
يحكى فتحى عن أوضاع القرية، قبل الأحداث الأخيرة، فيقول إنها كانت هادئة تماماً، ولم يشهد أهلها «أى قلق»، وحتى عندما قامت ثورة 25 يناير 2011، فإن القرية، حسب فتحى «ما حستش بيها خالص»، إذ ظلت نقطة الشرطة على حالها، والأهالى يمارسون حياتهم الطبيعية دون أن يتأثروا ولو قليلاً بما قلب البلاد رأساً على عقب. مرت أحداث ثورة يناير، كما يقول فتحى، بهدوء تام، غير أن التغيير فى تركيبة القرية السكانية حدث بالفعل مع وصول مرسى لكرسى الرئاسة، إذ كما يقول شاب مسيحى من سكان القرية - رفض ذكر اسمه- أن عدداً كبيراً من أبناء القرية سعى بعد تولى مرسى إلى إطلاق لحيته، رغبة فى وظيفة ينالها، خاصة بعد أن شاهد الجميع كيف ينحاز النظام الجديد لأرباب اللحى، وأعضاء الجماعات الإسلامية، ومن ثم فقد زاد أصحاب اللحى بشكل ملحوظ، مع الأخذ فى الاعتبار، كما يقول الشاب، أن القرية فى الأساس كان بها عدد من الملتحين الذين ينتسبون لجماعات سلفية، والإخوان المسلمين.
الشاب المسيحى، الذى كان خائفاً للغاية من أن يشاهده أحد أبناء قريته وهو يدلى بحديث صحفى لـ«الوطن»، تحدث عن الأيام التى اشتعلت فيها الأوضاع داخل القرية، فقال إنها جاءت فى أعقاب خطاب الفريق أول عبدالفتاح السيسى، الذى أدلى به فى 3 يوليو الماضى، وأعلن فيه عن خارطة الطريق، وقتها قام عدد كبير من أهالى القرية ممن ينتمون للتيار الدينى، بالخروج فى مظاهرة كبيرة لشوارع القرية، تزامنت مع إشعال النيران فى مبنى الخدمات التابع للكنيسة الكاثوليكية، والذى يضم 3 فصول حضانة، وأجهزة كهربائية، وحوالى 4 آلاف كتاب داخل مكتبة، كما تم إشعال النار فى دير العذراء مريم والأنبا إبرام بالقرية، والذى يمتد تاريخه إلى عام 460 ميلادياً، ثم امتدت النيران إلى 10 منازل يسكنها مسيحيون، لتقضى عليها تماماً. وكان المبرر المعلن وقتها أن المسيحيين هم الذين حرضوا على مظاهرات 30 يونيو الماضى، والتى طالبت برحيل مرسى، كما أن البابا تواضروس رأس الكنيسة الأرثوذكسية ظهر أثناء إلقاء «السيسى» لبيانه إلى جوار شيخ الأزهر، الأمر الذى منح المعتدين مبرراً من وجهة نظرهم لما يقومون به.

نداءات للشرطة والجيش بإعادة الأمن.. والخوف من اعتقال المواطنين يدفع البعض للتعرض لقوات الجيش بالسلاح
ورغم أن الشاب يؤكد تماماً أن من قام بحرق الكنائس والمنازل هم بلطجية، استغلوا خروج المظاهرات ليندسوا وسطها، ويقوموا بأعمالهم التخريبية، فإنه يرى أن من خرجوا فى المظاهرات فى الأصل، هم الذين منحوا الفرصة للمخربين بأن يقوموا بأعمالهم، التى تواصلت حتى نقطة الشرطة، ثم حاولوا الوصول إلى كنيستين تقعان فى شارع واحد داخل القرية، إلا أن عدداً كبيراً من العائلات المسلمة تصدوا لهم، ووقفوا فى وجوههم ومنعوهم من التعرض للكنيستين أو للسكان المسيحيين الذين يسكنون بالقرب من الكنائس.
يواصل الشاب قائلاً إن أعمال النهب والحرق هدأت لعدة أيام، ثم عادت مرة أخرى مع بدء فض اعتصامى رابعة والنهضة، فى 14 أغسطس الماضى، وقتها خرجت المظاهرات، واشتعلت النيران فى 18 منزلا يسكنها المسيحيون، قبل أن تمتد أيادى النهب لداخل تلك المنازل، فتستولى على كل ما غلا ثمنه، سواء كان خفيفاً أو ثقيلاً. فى الوقت الذى تم الاستيلاء فيه على الأراضى الزراعية الخاصة بالمسيحيين، يقول الشاب إن كل محاولات أهالى القرية للاستنجاد بالشرطة أو الجيش فشلت تماماً، إذ إن الشرطة نفسها والتى يقول إنها «هُزمت أمام الشعب الدلجاوى»، كان مقرها الرئيسى فى مركز دير مواس، يتعرض لهجوم من البلطجية، أسفر عن حرقه بالكامل، أما الجيش فقد وصل بالفعل إلى مدخل القرية، من جهة الطريق الصحراوى، لكنه عجز عن دخول القرية ثلاث مرات متتالية، فى ثلاثة أيام مختلفة، بسبب قيام بعض العناصر من داخل القرية بإطلاق النيران بكثافة على مدرعات القوات المسلحة، والتى ذهبت ولم تعد منذ حوالى أسبوع كامل.
ورغم أن موجة الغضب التى اجتاحت القرية وأشعلت النيران فى منازل وكنائس أهلها من المسيحيين قد هدأت تماماً الآن كما يقول الشاب، فإن عددا من الأهالى المسيحيين تركوا القرية تماماً بعد الأحداث، فيما يعيش من تبقى بالداخل فى خوف ورعب مقيم، خاصة بعد أن تخلت قوات الأمن عنهم، إذ تنتشر الآن وسيلة جديدة بين البلطجية للاستيلاء على أموال المسيحيين، إذ يتوجهون لمنازلهم طالبين منهم إخلاءها لمدة ساعة تحت تهديد السلاح، وعندما يعود صاحب المنزل بعد انقضاء الساعة يجد منزله خاوياً على عروشه، ومن يرفض منهم إخلاء المنزل يهددونه بخطف أحد أبنائه، وهو الأمر الذى يقول الشاب إنه تحول لظاهرة، يختم الشاب حديثه قائلاً «إحنا ما لناش حد يحمينا بعد ربنا غير بعض جيراننا المسلمين اللى عملوا لجان شعبية عشان يحرسوا بيوتنا، واللى بيدافعوا عننا طول الوقت».
على ناصية شارع العبيد، الذى يضم كنيستى الإصلاح والأخوة، جلس محمد عبدالمالك، 61 سنة، جزار، يقول إنه يجلس على الناصية لحماية الكنيستين من أى اعتداء قد يفكر فيه البعض، خاصة أن محاولات الاعتداء لم تتوقف منذ بداية الأحداث حتى الآن، ومنذ بداية الأحداث وسكان المنطقة المحيطة بالكنيستين لا عمل لهم، كما يقول عبدالمالك، إلا حراسة المكان الذى يضم أيضاً عددا كبيرا من بيوت المسيحيين، خوفاً من أى اعتداء قد يقع عليهم.
«آدى لنا شهر من ساعة ما دارت المسيرات وإحنا قاعدين قدام الكنايس ليل ونهار» يواصل عبدالمالك حديثه. يعترف الرجل الستينى بوقوع أذى كبير للمسيحيين، الذين تعرضت منازلهم للنهب والحرق، فيقول «الناس زعلانة على اللى حصل للنصارى، لأن المسيرات كانت طالعة سلمية، وما حدش كان عايز خراب»، ولنفس السبب فإن مشايخ الجوامع بالقرية، كما يقول عبدالمالك «خطبوا وقالوا حرام اللى بيحصل، وقالوا المسيحى ابن عم المسلم، وقالوا لازم نعمل قعدة صلح».
بالفعل عُقدت الجلسة عقب صلاة يوم الجمعة الماضى، بحضور عدد من الأهالى. جمال حسين واحد منهم، يقول «فكرنا فى الصلح للتسوية بين المسلمين والمسيحيين وتعويض المتضررين، وحضر الجلسة التى أقيمت داخل دير الأنبا إبرام -المحترق- عدد كبير من قيادات العائلات، وعدد من المسيحيين المتضررين وعدد من القيادات الكنسية، منهم القس إبرام راعى الكنيسة الأرثوذكسية، والأنبا أغابيوس أسقف دير مواس وغيرهما».
ممدوح عزت، أحد الأقباط الذين شاركوا فى عقد الصلح، يقول إن «المنطقتان الشرقية والغربية فى البلد لا تزال فيهما مشاكل بسبب استهداف المسيحيين فى المنطقتين، لكن المنطقة القبلية فيها حالة استنفار، لأن الأهالى المسلمين والمسيحيين تصدوا لأى محاولة تخريب فيها لبيوت المسيحيين».
ما تم فى الصلح، بحسب عزت، استلزم أن يتعهد «المشايخ»، المنتمون للتيار الإسلامى، «بإصلاح الأوضاع الاجتماعية وزيادة التطبيع بين المسلمين والمسيحيين والسماح بإعادة بناء وترميم البيوت والكنائس المُحترقة والمُهدّمة، والسماح بالصلاة فى الكنائس دون التعرض لها أو لبيوت المسيحيين مرة أخرى، لكن دون تحمل تكاليف التصليح لأنها ستكون أموالاً طائلة».
«استهداف المسيحيين كان سببه قلة عددهم مقارنة بالمسلمين»، هكذا علل الحاج جمال، استهداف منازل ودور عبادة المسيحيين دون المسلمين، ليضيف «البلطجى لو فكر يدخل بيت مسلم ويحرقه هيدبحه، لكن المسيحى مش هيقدر يضرب واحد أو يقف قباله، لكن عموما العنف استهدف الكل، يعنى فى دير مواس وفى ملوى فيه محلات مسلمين كتير اتحرقت، والبلطجية بيوّقفوا على الطريق مسلمين ومسيحيين».
السلاح فى يد الجميع والأهالى يبررون «ما فيش شرطة.. والروس الكبيرة هى اللى بتتاجر فى السلاح»
عودة الأمن مطلب رئيسى للجميع، فيقول فتحى عبدالعال «عندنا نقطة بوليس فاضية من يوم 3 يوليو، وما فيش أمن، والمسلمين عاملين لجان شعبية، ويوم السبت عندنا سوق بنروح ونسيب المسيحيين قاعدين ونتابع معاهم بالتليفونات»، لهذه الأسباب يرغب محمد حسن، 36 سنة، فى عودة الأمن مرة أخرى، فعلى حد تعبيره «لازم الأمن يرجع عشان أطلع أشوف شغلى وأجيب عيش لأهلى بدل ما أنا قاعد مربوط للكنايس اللى هنا»، أو فى مقولة أخرى «الشرطة تعمل شغلها عشان أنا كمان أعمل شغلى».
لا ينكر أهالى القرية أن هناك مقاومة جرت لمنع الجيش من دخول القرية، والسبب كما يقولون هو الخوف من عمليات اعتقال عشوائية قد تحدث لأهالى القرية، وفى نفس الوقت يعترفون أيضاً بوجود السلاح داخل قريتهم بكثرة، فعلى حد تعبير أحدهم «السلاح مالى البلد كلها»، ويبررون ذلك بعدم وجود أمن، كما يبررونه بأنه ما كان سيصل لأياديهم لولا موافقة «الكبار» فى الحكومة، «السلاح منزلاه الروس الكبيرة وكله جاى من بحرى».