آخر كلمات شهداء كرداسة تدل على وطنيتهم

قرروا أن يحفروا أسماءهم بذهب فى التاريخ، فرفضوا تسليم مركز شرطة كرداسة للخارجين عن القانون وجماعة الإخوان المسلمين، واستبسلوا فى الدفاع عنه، وصمدوا أمام طلقات الآربى جى التى أطلقها الإخوان المسلمين على المركز.
وأكدوا فى صوت واحد "لن نخرج من المركز إلا على نعوش الموت"، فاقتحم الإخوان المركز وأشعلوا النيران فيه، وسحلوا المأمور ونائبه، والضباط، وذبحوهم أمام المارة فى الطريق، مرددين "خلى السيسى وإبراهيم ينفعوكم"، إنها قصة 11 بطلا ضحوا بحياتهم فى سبيل التصدى لنازية الإخوان المسلمين بمصر.

اللواء محمد جبر مأمور مركز شرطة كرداسة:
"أيوا يا فندم أنا موجود فى المركز" جملة كان يكررها اللواء محمد جبر، مأمور مركز شرطة كرداسة، والذى استشهد فى الأحداث الأخيرة، بصفة يومية، عندما تتصل به مديرية أمن الجيزة للاطمئنان على الأوضاع الأمنية بمدينة كرداسة، فكان يحضر منذ التاسعة صباحاً، ويرفض أن يغادر المركز مثل باقى زملائه فى وقت الرائحة ما بين الرابعة عصراً وحتى التاسعة مساءً، وإنما كان يواصل فترة عمله الصباحية بالمسائية، فيحضر من التاسعة صباحا، ويغادر المركز عندما تشير عقارب الساعة إلى الواحدة بعد منتصف الليل.

لا يجلس على مكتبه كثيراً يتحرك داخل مبنى المركز بنشاط، ويستقل "بوكس" الشرطة ليلا لعمل دوريات أمنية بنفسه "أصل حياة الناس مسئولة مننا وإحنا بنعمل عشان نرضى ربنا"، هكذا كان يرد على الضباط والأفراد الصغار، عندما يسألونه عن سر إخلاصه فى عمله لهذه الدرجة، ويعود فى المساء إلى المركز، ويضع على وجهه نظارته الطبية، ويقلب فى المحاضر التى تم تسجيلها على مدار اليوم، ويفحصها، ويدون فى ورقة خارجية ملاحظته.

مجند صغير يقف أمام باب مكتبه بالطابق الثانى على يمين السلم، ينظم دخول المواطنين إليه لسماع شكواهم، فكان لا يمل ولا يهدأ له بال حتى يحل مشاكل الجميع "احنا مهمتنا هنا نعمل كدا.. احنا مش بنمن على حد دا حقهم علينا" هكذا كان يؤكد لصغار الضباط، ويبنى بداخلهم حب العمل والتفانى فيه.

لا مكان للمحسوبية ولا الوساطة الكل سواسية أمام اللواء محمد جبر، ودبلوماسيته فى الحل قد تنهى الخلاف بين المتنازعين، ويتنازل الطرفان عن المحضر، ويشرب الجميع الشاى فى مكتب المأمور، ويخرجوا، وكأن المشكلة لم تكن، فصغار الضباط كانوا يقفون عن بعد يتعلمون من هذا الرجل كيف يدير الأمور، فهو الحزم الشديد فى عمله، المرن الدبلوماسى فى حديثه، ذو الأخلاق العالية، يسأل عن الجميع، ويتصل من هاتفه الشخصى على صغار الأفراد عندما يعلم أن هناك مكروها أصابهم، ولا يغادر المركز حتى يطمئن على الجميع.

صوت القرآن الكريم هو الصوت الوحيد الذى يملأ جنبات مكتب "السيد المامور" فلا يدير التلفاز إلا على قراءة القرآن الكريم، وعندما يسمع صوت الأذان يدلف إلى "المصلى" بالمركز، حيث يقف وسط أبنائه الأفراد يؤدى الصلوات.

دعا أبناءه قبل شهر رمضان لحضور حفل زفاف ابنته، وكان يحكى لهم عن استعداده لزواج ابنه، فكان لا يملك إلا ولدا وبنتا، ويقول لهم "هم دول اللى طلعت بيهم من الدنيا"، وأجتهد فى عملى حتى يبارك لى الله فيهم.

صوته الجهور "شدوا حيلكم يا رجالة" أثناء دخوله للمركز فى الصباح الباكر لن يسمعه أحد بعد ذلك، وابتسامته التى لا تفارق وجهه لن يراها أحد بعد استشهاده، حيث رحل الرجل، الذى فضل أن يموت شهيدا دون أن يترك مؤسسته الشرطية لخارجين عن القانون.

اتصلت به قبل الأحداث بأيام وسألته عن رد فعلهم حيال تعرضهم للهجوم، فأجابنى "لن أترك المركز ولن أخرج منه إلا وأنا على نعوش الموت، "هاقول لربنا يوم القيامة إنى سيبت مكانى عشان خوفت على حياتى لا والله"، وبالفعل قال فصدق ووعد فأوفى، ولم يخرج إلا وهو شهيد تزفه الملائكة إلى الجنان.

وكان اللواء محمد جبر قد عمل كمأمور لقسم شرطة الواحات برتبة "عقيد" لعدة سنوات، ثم انتقل منها إلى مركز شرطة أبو النمرس، حيث كان له الأفضل فى ضبط العديد من الخارجين عن القانون والعناصر الإجرامية بمنطقة جنوب الجيزة، كما شارك فى الكشف عن غموض العديد من الجرائم الجنائية، ومن ثم تم ترقيته من رتبه عقيد إلى "عميد" ونقله إلى مركز شرطة كرداسة منذ قرابة 3 أعوام، حيث كانت هناك العديد من الجرائم الجنائية التى ظهرت فى كرداسة، وظهور عصابات المسجلين خطر والعناصر الإجرامية.

وكان لـ"جبر" باع طويل فى الجرائم الجنائية، حيث أسقط العديد من المتهمين، وتوصلت تحقيقاتها إلى نتائج طيبة، وكان محلا للثقة من رؤسائه ومدراء مديرية أمن الجيزة الذين تعاقبوا خلال فترة عمله به، حيث تم تكريمه لأكثر من مرة بسبب نشاطه الدائم والمستمر، حتى قررت وزارة الداخلية تكريمه بمنحه رتبة "اللواء" فى فترة قصيرة بعد حصوله على رتبة "العميد"، ومن ثم تقرر نقله من منصب مأمور كرداسة، ليشغل منصب مساعد مدير الأمن بعد حصوله على رتبة "اللواء"، وكان من المقرر أن يغادر "جبر" مركز شرطة لاستلام منصبه خلال أيام، إلا إن اندلاع الأحداث أخر وجوده بالمركز، فاستشهد بداخله، قبل أن يتركه.

النقيب هشام شتا:
تخرج النقيب هشام شتا فى 2009 وعمل كضابط نظامى فى مدينة السادس من أكتوبر، إلا أنه شارك فى العديد من وقائع ضبط الخارجين عن القانون، ومن ثم تم نقله لمركز كرداسة ليعمل فى المباحث كمعاون الرئيس المباحث المقدم ضياء رفعت.

كان شتا من الضباط المتدينين، والذى يرفض إغلاق القضايا، إلا إذا تأكد من ثبوت جميع أدلة الاتهام على المتهم، وكان عائدا من الأراضى المقدسة عقب تأديته العمرة للعام الثانى على التوالى، حيث كان يحكى لزملائه روحانيات الأراضى المقدسة، وأنه دعا هناك لمصر أن يحفظها الله من كل سوء.

اللواء مصطفى الخطيب:
عمل الخطيب كضابط نظامى فى قسم بولاق الدكرور، وكانت له كفاءات عالية، ومن ثم ترقى فى المناصب سريعا حتى أصبح مأمورا لمركز شرطة أبو النمرس، ومنها مساعد فرقة شمال الجيزة، وتم تجديد الثقة له فترتين متتاليتين، نظرا لمشاركته فى العديد من الحملات الأمنية الموفقة التى استهدفت البؤر الإجرامية.

كان معروف عن الخطيب بأنه ابن عائلة كبيرة، فهو من المنصورة وابن عم الكابتين محمود الخطيب نجم النادى الأهلى المعروف، ورفض أن يترك المركز للضباط والأفراد، وأصر على البقاء معهم، مؤكدا لهم "لنموت كلنا لنعيش كلنا" حتى استشهد معهم.

العقيد عامر عبد المقصود:
كان العقيد عامر عبد المقصود الذى ولد فى الإسكندرية يتمتع ببنيان جسدى قوى، وكان من الضباط الذين لهم كفاءات خاصة فى العمليات الخاصة، واقتحام الأماكن الوعرة، وكان له صوت جهور يخافه المتهمون والخارجون عن القانون.

وكان عامر عبد المقصود لاعب شهير بنادى الترسانة، وحصل على العديد من الجوائز، وترقى فى المناصب من ملازم أول حتى وصل إلى رتبة عقيد، وكان العميد محمد جبر مأمور مركز كرداسة يعتمد عليه فى العديد من المواقف.

النقيب محمد فاروق نصر الدين:
تخرج النقيب فاروق سنة 2007 وعمل فى مديرية أمن قنا فور تخرجه مباشرة، وكان ضابطا له كفاءات خاصة، وتم نقله بعد ذلك للمصنفات، ومنها إلى مديرية أمن الجيزة، حيث عمل بمركز شرطة كرداسة.

يقطن فاروق بالهرم وله أخ وأخت، وشارك فى تجهيز الأخيرة وزوجها منذ 3 أشهر، وكان يقول لزملائه بأنه أدى رسالته، وكان يستعد للزواج هو الآخر، حيث أكد لهم أنه سوف يقدم خطبته خلال أيام قبل استشهاده.

تامر سعيد:
مخبر سرى بمركز شرطة كرداسة لا يتخطى عمره 25 سنة تزوج وأنجب ولدًا منذ أسبوع، وكان قد أحضر "حلاوة السبوع" لزملائه بالمركز حتى يفرحوا معه بمولده الجديد، وعندما حاصر الإخوان المركز رفض أن يغادره وانضم إلى الضباط والأفراد للدفاع عنه، فسحلوه خارج المركز، وطعنوه بآلات حادة حتى فارق الحياة.