أسرار مؤامرة الثلاثـاءالأسود

لم يكن حادث محاولة اقتحام واحراق قسم شرطة الازبكية منذ ثلاثة اسابيع سوي بروفة مصغرة لما دار ليلة الاربعاء الدامية.. وتشير تفاصيل ما دار طوال هذه الساعات الي ان ما حدث لم يكن سوي تخطيط ومقدمة لاهداف كبري في الطريق.. لن تكون الفوضي سوي مجرد بداية كانت هناك اسئلة كثيرة تبحث عن اجابة محددة وصريحة: من الذي دبر باحكام قصة استدراج عائلات الشهداء من امام ماسبيرو الي مسرح البالون؟ ولماذا كانت المحاولات المستميتة لاقتحام وزارة الداخلية؟ ثم من الذي زرع هذه العناصر التي تنتشر في ميدان التحرير تردد قصصا عن وقائع لم تحدث؟ وسلوكيات واعتداءات للشرطة علي المواطنين بهدف اشعال الغضب داخل نفوس الشباب.. واخيرا من الذي كان يلقي الطوب والمولوتوف علي الشرطة والشباب معا في نفس الوقت. ماحدث ليس سوي محاولة حقيرة لتشويه الثورة في الميدان الذي شهد مولدها.
ولنبدأ تفاصيل المؤامرة من البداية وتحديدا منذ يوم الاثنين حيث توالت مكالمات علي بعض عائلات الشهداء المعتصمين امام ماسبيرو تخبرهم باقامة حفل تكريم عائلات الشهداء بمسرح البالون.. هناك من تواجد وسطهم وتحدث ظهر الثلاثاء عن تلك الاجهزة الكهربائية والهدايا التي سيتم توزيعها علي من تم اختيارهم. في الخامسة والنصف وقبل آذان المغرب كان العشرات قد لبوا دعوة البعض بالتوجه لمسرح البالون، كانت نية بعضهم الاعراب عن غضبه بالغاء الحفل مطالبين بالقصاص لابنائهم اولا، واعتبر البعض منهم انهم احق بالتكريم.. صعدوا الي كوبري ٥١ مايو سيرا علي الاقدام الي العجوزة حيث المسرح اسفل منزل الكوبري مباشرة. تجمع أهالي الشهداء معظمهم من الناس البسطاء وحولهم العديد من الاشخاص باعتبارهم متعاطفين معهم حاولوا دخول المسرح الذي كان مغلق الابواب.. اخبرهم أمن المسرح بأن حضور الحفل قاصر علي المدعوين العشرة الذين حددتهم الجمعية الخيرية واختارتهم لتكريمهم، حوار ومناقشات بغرض الدخول بين مسئولي المسرح والقادمين لن تفلح في دخولهم وفجأة انقلب الموقف الي عملية اقتحام وتدمير كل شيء بدءا من الزجاج واللوحة الرخامية وتحول الأمر الي معركة بين موظفي المسرح والمقتحمين.
ساحة معركة

مع بداية المعركة كانت ساحة المسرح خالية من أي تواجد للشرطة.. والسبب ببساطة هو مخالفة ارتكبتها الجمعية الخيرية المنظمة للحفل بعدم اخطار الشرطة بالحفل لتتولي تأمينها.. بعد ٠١ دقائق كان خبر المعركة قد وصل لقيادات امن الجيزة.. بسرعة كانت هناك مجموعتان من المباحث وفرق الأمن تتمركزان بقسم العجوزة قد انطلقتا للمسرح وبدء فض الاشتباكات والسيطرة علي الموقف الملتهب.. موظفو المسرح ضبطوا اثنين من المهاجمين وضبطت الشرطة ٦ بينهما سيدة تبين انها والدة شهيد تم اخلاء سبيلها فورا ولم يتم تحرير محضر لها ولم تحل للنيابة تم القبض علي الاخرين وتم اصطحابهم الي قسم شرطة العجوزة ٤ منهم مسجلون اصحاب قضايا مخدرات وسرقات ومشاجرات.
اهالي الشهداء عادوا مغلوبين علي امرهم بعدما حدث وتعرضوا له من نفس الطريق الي ماسبيرو قبل وصولهم مباشرة كان هناك من سبقهم وحكي عن مؤامرة تعرض لها المساكين حيث اعدت لهم الشرطة كمينا للاعتداء عليهم وتوريطهم في قضايا للتشهير بهم وتشويه سمعتهم. انضم القادمون من المسرح الي باقي المعتصمين امام ماسبيرو والذين كان قد تم شحنهم والتهبت مشاعرهم.. وانطلق نداء يطلب منهم التوجه لميدان التحرير للمطالبة بحقوقهم وبالفعل تم تلبية الدعوة وانطلق الجميع الي هناك.. لم يمكثوا وقتا طويلا ظهرت بعض التحرشات برجال المرور الذين انسحبوا من الميدان تجنبا لاي احتكاك.
مسجلو خطر
فجأة بدأت عمليات حشد للموجودين للتوجه الي مبني وزارة الداخلية للمطالبة باخلاء سبيل من تم القبض عليهم في مسرح البالون.. وأوقفت مجموعة اخري سائق سيارة ربع نقل واستقلت سيارته عنوة وتم ضبطهم بعابدين وتبين ان بعضهم مصاب وانهم جميعا من المشاركين في احداث المسرح وكانت المفاجأة ان بعضهم مسجل جنائي في جرائم مختلفة عند تسليمهم لقسم العجوزة.. كان مبرر الدعوة للتوجه الي وزارة الداخلية هو اخراج المضبوطين الذين تم حجزهم بمبني الوزارة وارسالهم للعلاج بالمستشفيات مع انه لم يتم احضارهم للوزارة من الاصل.
في الطريق لمبني الوزارة كان يتم تحطيم اي سيارة تقف علي جانبي الشارع سواء مملوكة للسكان أو الشرطة وبمجرد الاقتراب من المبني بدأت الحجارة تنهال علي مقر الوزارة تبعها زجاجات المولوتوف.
وفي لحظات كانت القوات المكلفة بتأمين مبني الوزارة قد بدأت في المواجهة وسط اعتداءات شرسة كانت تتم دون هتافات أو ترديد مطالب محددة.
زادت سخونة المواجهة مع اصرار المهاجمين وكلهم من مجموعات شبابية بعيدة كل البعد عن ملامح شباب الثورة.. فملامحها تؤكد انها شخصيات اجرامية. وأدت الاعتداءات والمواجهات التي امتدت من امام الوزارة وحتي الشوارع الجانبية الي سقوط العديد من رجال الشرطة مصابين وكان علي رأسهم قائد تأمين مقر الوزارة برتبة عميد الذي نقل لمستشفي الشرطة وداخل غرفة العمليات تم اجراء جراحة عاجلة له في الوجه استلزمت خياطة ٤١ غرزة ونقل دماء اليه ليلحق به بعد قليل قائد قوات الأمن المركزي المسئول عن تأمين المنطقة مصابا في ساقه بعد القاء الطوب عليه.
علي الفيس بوك
في ذلك الوقت كان قد تم تجهيز مسرح العمليات.. فالاخبار العاجلة التي تنقلها مواقع الفيس بوك تتحدث عن معاك طاحنة في الميدان ونفس المعلومات كانت تنقلها مكالمات تليفونية كانت تتحدث عن وحشية الشرطة وتصور الامر وان الدماء اصبحت تغرق ارض ميدان التحرير بدماء شباب الثورة.
المئات بل والآلاف من الشباب الذين تلقوا الانباء عما يحدث اصيبوا بالانزعاج والغضب الشديد وتوجه الكثيرون لميدان التحرير لدعم الشباب وحمايتهم.
سلاح الشرطة الوحيد
كان المشهد لا يزال ملتهبا.. وقوات الشرطة كانت مضطرة لاستخدام قنابل الغاز بكثافة لتفريق من يحاولون اقتحام مقر الوزارة وحرقه بالمولوتوف.. فالقنابل المسيلة للدموع هي السلاح الوحيد مع العصي في التعامل لفض الشغب.. تم تفريق المجموعات لتعود الي ميدان التحرير الذي احتشد فيه الآلاف، كان المشهد الماثل امامهم هو معركة بين الشرطة وعائلات الشهداء، لم يعلم احد منهم حقيقة ما يتم ويدور من محاولات اقتحام.. العشرات من الجنود اصيبوا ونقل معظمهم الي مستشفي المنيرة العام.. خلال محاولات الاقتحام كانت ثمة بعض الدراجات البخارية تنقل زجاجات البنزين لإعداد المولوتوف قبل القائها ناحية الوزارة.
تم تفريق الجموع التي بدأت العودة الي ميدان التحرير، الشباب كان يتحلق حول الموجودين يريد ان يعرف ماذا حدث.. حكايات متعددة كانت ترددها السنة مدربة كانت كفيلة باشعال النفوس بدأت عن استدراج الشرطة لعائلات الشهداء وكيف ان الامر كان كمينا مدبرا لاجبارهم علي التنازل عن قضاياهم ضد الضباط المتهمين. الحكايات تضمنت قصص الاعتداء علي السيدات امهات الشهداء بوحشية واهدار أدميتهن.. وكيف ان اكثر من ٠٠٢ رجل شرطة كانوا داخل المسرح قبل وصولهم.
مجموعات اخري صغيرة
في نفس الوقت الذي تجمع فيه الكل بميدان التحرير كانت هناك مجموعات صغيرة تعيد الكرة للاعتداء علي مقر الوزارة وعلي افراد القوة الموجودة مما اضطر الشرطة لاعادة مطاردتهم في الشوارع الجانبية المجاورة للوزارة وقرب ميدان التحرير.
شباب الميدان لم ير محاولات الاعتداء في تلك اللحظات ولم يشاهد سوي قدوم الشرطة لمطاردة المعتدين الذين فروا امامهم.. وكان ظهور الشرطة بمثابة استفزاز الموجودين لتبدأ المعركة الساخنة التي استمرت لساعات لم تهدأ إلا مع اذان الفجر. وبعد عمليات الكر والفر المتبادلة بين الشرطة والموجودين بالميدان كانت تعليمات الانسحاب للشرطة من الميدان قد وصلت فعلا.. الداعية صفوت حجازي طالب الشباب بافساح الطريق للشرطة وعدم مطاردتها.. حيث هدأت الامور تماما.
علي الجانب الاخر كان مستشفي المنيرة قد تعرض لهجوم نحو ٠٠٤ شخص حاولوا اقتحامه لقتل جنود الشرطة المصابين الذين نقلوا اليه وكادوا يحققون هدفهم لولا نجاح امن المستشفي في التصدي لهم.
اكتشاف الخدعة
في الصباح كان الكثير قد بدأ يضع يده علي الحقيقة ليكتشف الخدعة التي تمت، الكثير منهم غادر الميدان وبقي بعض الاشخاص يتناثرون في اركان الميدان يرددون قصصا متناقضة حدثت علي يد الشرطة قالوا ان جحافل من البلطجية تحمل السنج والسيوف كانت تقف بجوار الجنود وتشارك في الاعتداء بل وصلت الاكاذيب لتؤكد روايتهم ان الجنود والضباط كانوا يقذفون المتظاهرين بزجاجات المولوتوف من داخل الوزارة.
غضب شباب الثورة

علي جانب اخر كان العديد من شباب الثورة يقف مع ضباط الشرطة علي ابواب الوزارة كانوا في حالة غضب لما يحدث علي يد هؤلاء الاشخاص المجهولين لهم.. كانوا يرددون جملة واحدة طوال الاعتداءات.. هؤلاء ليسوا منا ولا نعرفهم« هؤلاء الشباب كانوا يوجهون الانتقادات لقيادات الشرطة ويتهمونهم بالتراخي في مواجهة هؤلاء الذين يشعلون الفتن.
الغالبية تتخلي عن صمتها
في الصباح وطوال الظهيرة كان المئات والآلاف من المواطنين يتوافدون علي الميدان لمعرفة ما يحدث وما يدور، مشاعر الغضب كانت تكسو ملامح وجوههم وهم يستمعون الي تلك القصص الوهمية.. بدأت لأول مرة المواجهات بينهم وبين هؤلاء المتناثرين بقصصهم التي تبدو جميعها مركبة بعناية ولكنها لم تعد مقنعة.. القصص كلها تدور باعتبار ان ما حدث مؤامرة محبكة اعدتها وزارة الداخلية لاثارة الخوف حتي لا تتم مليونية الثامن من يوليو الخاصة بالمطالبة بالاسراع في المحاكمات والقصاص للشهداء.. وكذلك للضغط علي اسر الشهداء واجبارهم علي التنازل عن حقهم في مقاضاة الضباط المتهمين بقتل ابنائهم.. واخرون يؤكدون ان المؤامرة مدبرة بالتواطؤ مع الجيش الذي يريد احداث ازمة لضمان استمرار بقائه مسيطرا علي مقاليد البلاد اكبر فترة.
شباب اخرون كانت طلباتهم واضحة ومقبولة وهو انهم معتصمون حتي يتم تحقيق سرعة المحاكمات وسرعة تسيير امور الدولة ومحاكمة الضباط.
مجموعات جديدة
قرب الظهيرة عادت مجموعات مرة اخري لتسير في اتجاه مقر وزارة الداخلية الذي اصبح هدفا واضحا لهم ولابد من اقتحامه. كانت الهتافات الغاضبة تتردد ضد الجيش وضد وزارة الداخلية وبدأت صناديق المياه الغازية المملوءة بزجاجات المولوتوف تتدفق نحو الوزارة التي احتشد حولها جنود الأمن المركزي لحمايتها وكذلك اجولة الطوب وقطع البلاط الذي تم نزعه من الارصفة وبدأت معركة الاقتحام من جديد.
في نفس الوقت احتشد العشرات من الشباب وتشابكت ايديهم ليشكلوا درعا بشريا قبل صفوف الجنود لحمايتهم فيما كانت هناك ثمة اشخاص ذوي الملامح غير المريحة تحاول اختراق الدرع البشري ومعها زجاجات المولوتوف بينهم اطفال صغيرون وحتي عندما قرر معظم المهاجمين العودة لميدان التحرير بقي هؤلاء اصحاب الوجوه التي تحمل معالم البلطجة يكررون محاولاتهم التي اقترنت بمحاولة استفزاز الضباط والجنود بالفاظ نابية وحركات تخدش الحياء.. كان المشهد مؤثرا عندما كان بعض الجنود يبكون متأثرين بأنواع السباب لأمهاتهم واخواتهم دون ان يستطيعوا الدفاع عن انفسهم فقد كانت التعليمات بالصمت التام.
ولم يتغير المشهد سوي بوصول قوات مكافحة الشغب بسلاح المظلات بالجيش التي قامت بالسيطرة علي المكان. في الميدان استقر البعض خاصة اعضاء مجموعة ٦ ابريل التي اقامت خيمتين لها في الميدان ووقف اعضاؤها لمحاولة اقناع المارة بجوارهم لاستمالتهم.. ولكن كان من الواضح ان الاغلبية الصامتة استوعبت الدرس جيدا. وحتي ظهر الخميس امس الاول وقف بعضهم ومنهم فتيات صغيرات يسردن القصص والرويات عن عنف الشرطة.
روايات كاذبة
روايات كاذبة اخري كانت تتردد كل هدفها اثارة مشاعر المواطنين ضد الشرطة فهذه روايات تتحدث عن سيارة شرطة كانت تحمل مكبر صوت وتطارد المتظاهرين بالميدان وتوجه لهم السباب بالفاظ نابية واخري تتحدث عن طلقات الرصاص التي كان يطلقها جنود الامن المركزي مع ان جميع افراد الامن المركزي لا يحملون اية اسلحة سوي بندقية اطلاق القنابل المسيلة للدموع. الشيء اللافت للنظر والذي تكرر كثيرا عند مبني وزارة الداخلية طوال الظهيرة اثناء التصدي لمحاولة اقتحامها كان بعض الشباب يردد عند اقترابه من الضباط والجنود »سلمية.. سلمية« كان الضباط يحاولون التحدث معهم لتحكيم العقل ومعرفة ما يحدث والسيطرة المشتركة علي الموقف كان الجميع من الطرفين يفاجأ بالحجارة وزجاجات المولوتوف تلقي عليهم فيشتعل الموقف من جديد. في الساعات الاولي من صباح الخميس امس الاول يغادر ميدان التحرير نحو مائة شخص يتوجهون الي مقر وزارة الداخلية التي اصبحت تحت حراسة القوات المسلحة وعند تقاطع شارع محمد محمود مع الفلكي حيث تمركز مجموعات من قوات المظلات ليحاول هولاء التقدم نحو الوزارة وعندما تصدت لهم قوات الجيش اعتدوا عليها بالحجارة بعنف مما اضطر جنود القوات المسلحة الي الرد عليهم باطلاق دفعات من رصاص بنادقهم وفي الهواء اجبروهم علي الانصراف.
أجانب بين المتظاهرين
المفاجأة من بين المتهمين اثنان من الاجانب الامريكان هما ايريك هارون وتوماس دور قبض عليهما وسط المتظاهرين قرب وزارة الداخلية كان موقفهما مريب وهما يتحركان مع المتظاهرين في شارع محمد محمود خاصة انهما ليسا صحفيين ولا ينتميان لاي جهة اعلامية. هذا ما حدث خلال الساعات الماضية.
حسين عبدالقادر