سياسة اللامعنى بقلم: فهمي هويدي

فى اليوم الذى أدى فيه السفير محمد العرابى اليمين الدستورية ليتسلم منصبه وزيرا للخارجية، نشرت الأهرام (يوم 26/6) تصريحات قال فيها إنه سيعتمد فى مهمته على الدبلوماسية الناعمة التى ترتكز على رصيد مصر التاريخى والثقافى، وإن الرسالة الأساسية للوزارة فى رأيه هى رعاية المصريين فى الخارج وتحسين علاقات مصر مع جميع دول العالم. وهو كلام أصابنى بالإحباط حين وقعت عليه لأننى خرجت منه بما يفيد أن الوزير الجديد ليس لديه ما يقوله. فالحديث عن القوة الناعمة (على فرض أنها موجودة وإن كنت أشك كثيرا فى ذلك) يقول به كل أحد، ويستطيع أن يتحدث به بضمير مستريح أى وزير فى أى دولة آسيوية أو أفريقية أو غربية. ثم إن حكاية تحسين العلاقات مع العالم والاهتمام بالمصريين المهاجرين ليس فيها أى إضافة معلوماتية تذكر. كأنه أراد أن يقول لنا إن وزارة الخارجية ستؤدى وظيفتها كوزارة للخارجية أو أن وزارة الصحة ستعتنى بصحة المواطنين!.

قارنت كلام الوزير الجديد بسلفه الدكتور نبيل العربى فوجدتها مقارنة بين المعنى واللامعنى. فقد تحدث الدكتور نبيل حين تسلم الوزارة عن أربعة محاور للسياسة الخارجية هى: العمل على تطبيع العلاقات مع إيران ــ فتح معبر رفح ــ التعامل مع واشنطن من موقع الند ــ عدم الانصياع للتهديدات الإسرائيلية ومطالبتها بالوفاء بالتزاماتها فى اتفاقية كامب ديفيد، التى ذكر أنها قابلة للمراجعة والتعديل. وهى رؤية إذا وضعتها إلى جانب حكاية القوة الناعمة وتحسين العلاقات مع دول العالم، فلن تحتاج إلى جهد لكى تعرف أين يكمن المعنى وفى أى جانب يتجسد اللامعنى.

حتى أكون أكثر دقة، فإننى لا أعرف ما إذا كان كلام الدكتور نبيل العربى تعبيرا عن رأيه الشخصى أو أنه رأى المجلس العسكرى أو أنه كان استلهاما لروح ثورة 25 يناير. لكن الذى لاشك فيه أن ما قاله الرجل لقى ترحيبا وحفاوة من الجماعة الوطنية المصرية، وأعاد الثقة فى سياسة مصر الخارجية. بل إنه أنعش العالم العربى بأسره الذى اعتبره إشارة إلى أن مصر الحقيقية ــ بعزتها وكبريائها ــ أطلت برأسها أخيرا بعد طول غياب.

لا أخفى أننى من البداية لم أكن متعاطفا مع السيد محمد العرابى لسببين أولهما أنه قضى أربع سنوات فى إسرائيل. بعدما أمضى فترة مماثلة فى واشنطن مسئولا عن العلاقة مع قادة الحركة الصهيونية هناك الذين يتركزون فى منظمة «ايباك»، وهذه الخلفية جعلته يتبنى موقفا من إسرائيل مطابقا إلى حد كبير مع موقف النظام السابق ورئيسه الذى اعتبرته الدولة العبرية «كنزا استراتيجيا لها». السبب الثانى ان الرجل كانت له علاقة خاصة ومتميزة مع رأس النظام السابق، الأمر الذى أطال مدة بقائه فى ألمانيا إلى سبع سنوات، وهى نحو ضعف المدة التى يقضيها الدبلوماسى فى الخارج عادة.

حدثنى بعض أقرانه عن أن للرجل فضائله الشخصية المقدرة التى تشهد له كدبلوماسى محترف وعالى الكفاءة، وذلك يحسب له لا ريب، لكننى أتحدث عن الوجه السياسى له وليس جانبه الشخصى. ذلك أن خلفيته السياسية تستدعى أكثر من سؤال منها مثلا: ما هى معايير اختيار وزير الخارجية، وهل صحيح أن ارتباطه بصلة قرابة مع أحد أكابر النظام الجديد كان من عوامل ترجيح كفته؟ وهل يعد اختياره بخلفيته تلك تعبيرا صادقا عن مصر ما بعد 25 يناير؟ وهل بعد يمكن أن يمر ذلك الاختيار لو أن الوزير جرى اختباره وتمت مناقشته فى آرائه من قبل لجنة الشئون الخارجية فى أى مجلس نيابى منتخب. كما هو الحاصل فى تقاليد الدول الديمقراطية؟ ــ (بالمناسبة هذا يحدث فى الولايات المتحدة بل يحدث أيضا فى إيران).

لقد اعتدنا فى مصر ألا نسأل وإذا سألنا لا يرد علينا، عن أسباب ضم أى وزير للوزارة أو أسباب خروجه منها. كما اعتدنا أن يكون الوزير مسئولا أمام رئيس الجمهورية وليس أمام الشعب. ومن ثم فمهما فعل فإنه يظل باقيا فى منصبه ما بقى مشمولا بالرضا السامى، لكننا نحسب أن تلك تقاليد عهد مضى وانقضى، وأن تجاهل كبرياء الشعب وعدم احترام إرادته من مفاسد العهد السابق التى طويت صفحتها. إلا أن ذلك الظن بات يحتاج إلى مراجعة فى الحالة التى نحن بصددها.

ليست حالة وزير الخارجية فريدة فى بابها. لأن فى التشكيلة الوزارية الحالية أكثر من عضو لا يكاد يصدق المرء أنهم أعضاء فى حكومة الثورة المصرية، الأمر الذى يحيرنا فى تقدير كفاءة معايير الاختيار، بقدر ما يدهشنا السكوت عما تبين من سوء فى الاختيار. ولست أشك فى أن الرأى العام لديه من الوعى والذكاء ما يمكن كثيرين من أن يشيروا بأصابعهم إلى النماذج التى أعنيها. وأخشى إذا استمر ذلك الوضع أن يفيض الكيل بالناس، فيكفوا عن الانشغال بالدستور أو الانتخابات أو حتى الفقراء، بحيث يصبح لديهم هم واحد يدفعهم إلى رفع شعار تغيير الحكومة أولا.