المانشيت ( ليس عنوان الحقيقة) ..بقلم : فهمي هويدي

أعلن الأزهر أنه يؤيد الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، فذكر العنوان الرئيسى لجريدة «الأهرام» أمس 21/6 أنه يدعم «الدولة المدنية». راجعت نص الوثيقة التى أعلنها شيخ الأزهر بهذا الخصوص مرتين فلم أجد أثرا لمصطلح الدولة المدنية. ولما تحريت الأمر علمت أن المصطلح ذكر فى المشروع الأولى للوثيقة، لكنه رفع منها وظل الأزهر على موقفه الذى سجله فى البيان المعلن. وإذ أرجح أن هذا التفاوت بين العنوان والنص فيما نشره الأهرام، تم بحسن نية، وربما لداعى الاختصار (المدنية كلمة واحدة فى حين أن الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة أربع كلمات)، إلا أن خلفيات المسألة أكثر تعقيدا وأقل براءة.

ذلك أننى حين وقعت على هذا التباين لم أستبعد أن يحتج بعض الذين يتخفون وراء المصطلح قائلين: من قال إننا نريدها وطنية دستورية ديمقراطية حديثة، فليس ذلك ما يهمنا، وإنما الأهم أن تكون «مدنية» قبل ذلك كله. وأغلب الظن أن شيخ الأزهر أو من يمثله فى المراجعة النهائية للوثيقة فطن للملعوب، فقال ما معناه إذا كنتم تريدونها مدنية حقا فإننا نفهمها بهذه المواصفات، أما إذا أردتموها مدنية مسكونة بالعلمانية التى لا يرحب بها المجتمع وينفر منها، فذلك مما لا نوافقكم عليه. وقد نمى إلى علمى أيضا أنه فى مرحلة التداول بشأن الوثيقة طرحت صياغة لهذه النقطة تؤيد الدولة الديمقراطية، التى «لا هى علمانية ولا هى ثيوقراطية»، ولكن من الواضح أن المواصفات الأربع للدولة المنشودة لقيت قبولا أكثر باعتبارها أكثر وضوحا وانضباطا..

لا أستبعد أيضا أن يكون بعض أعضاء مجمع البحوث الإسلامية قد تحروا أصل مصطلح الدولة المدنية فلم يجدوا له أثرا فى مراجع مصطلحات علوم السياسة أو الاجتماع، حيث تشير تلك المراجع كلها إلى مجتمع مدنى يتشكل فى مناخ ديمقراطى وليس دولة مدنية. الأمر الذى يعنى أن الديمقراطية هى البيئة التى ينبغى أن تتوفر أولا. بما يسمح بنشوء ونمو مؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى. ولذلك فإن الإصرار على مدنية المجتمع قبل ديمقراطيته يصبح بمثابة وضع للعربة أمام الحصان، فضلا عن أنه يدعو للارتياب، من حيث إنه يضع الديمقراطية فى المرتبة التالية للصفة المدنية.

ليس فى الوثيقة إضافة على ما يعرفه كثير من الباحثين فى الفكر السياسى الإسلامى. وربما كان الجديد فيها فقط هو ملابسات وخلفيات إصدارها. لأنها جاءت ثمرة لحوار بين مجموعة من الفقهاء يتقدمهم شيخ الأزهر، وبين بعض المثقفين الذين كان أغلبهم من العلمانيين. وقد علمت أن أحد هؤلاء قاطع الحوار بعدما صرح بأنه منحاز إلى الدولة العلمانية، ولا يقبل عنها بديلا. ومن ثم لم يجد مبررا للاستمرار فى حضور الاجتماعات.

لأن الوثيقة كما ذكرت فإننى لم أجد فى مضمونها ما يمكن التعقيب عليه أو مناقشته، وما كان لى أن اتطرق إلى الموضوع إلا بعدما وقعت على المفارقة التى تمثلت فى عنوانه الرئيسى، وخشيتى من أن يشيع بين الناس أن وثيقة الأزهر أيدت الدولة المدنية التى يخفيها العلمانيون فى ثنايا المصطلح.

خصوصا بين القراء الذين تمر أعينهم على العناوين دون أن يقرأوا النصوص المنشورة تحتها. علما بأن ثمة مدرسة برزت فى الصحافة تراهن على هؤلاء ممن يكتفون بقراءة العنوان ولا يكترثون بالاطلاع على تفاصيله، وقد مرت بنا قبل أيام قليلة فضيحة مهنية من ذلك القبيل، حين نشرت إحدى الصحف على صدر صفحتها الأولى يوم 14/6 عنوانا يقول: «مفاجآت قضية التجسس: الضابط الإسرائيلى اتصل بقيادات الإخوان والتقى السلفيين»، ثم تبين أن الخبر لا أساس له وأن المفاجأة الحقيقية أن الجاسوس الإسرائيلى لم يتصل بالإخوان، وإنما ذكر التقرير المنشور تحت العنوان أن جهاز الموساد طلب منه جمع معلومات عن الإخوان والأقباط والقوات المسلحة وشباب الثورة!

هناك نماذج كثيرة من ذلك القبيل، يختلط فيها السهو والخطأ بالكيد وسوء القصد، لكنها جميعا تدعونا إلى التريث بعد قراءة عناوين الصحف وعدم الاكتفاء بها، لأن «المانشيت» فى الصحافة ليس دائما عنوان الحقيقة، وإنما يظل من قبيل «كلام الجرايد» الذى لا يؤخذ بالضرورة على محمل الجد