المخابرات الحربية الإسرائيلية كلـفت «إيلان» بالتجسس علي الجيش

الجاسوس اعترف بأنه ضابط بالوحدة «101» والمحقق واجهه بالاتهامات 17 مرة

النيابة سمحت له باتصال إنساني مع أسرته قبل وساطة السفارة الأمريكية لمعاملته طبقا لمعاهدة «جنيف»

تسجل «روزاليوسف» انفرادًا جديدًا بنشر التحقيقات مع الجاسوس الإسرائيلي إيلان حاييم الذي تم القبض عليه في القاهرة وسعي للتجسس علي الجيش واختراق صفوف شباب الثورة بالمشاركة في الفتنة الطائفية في إمبابة وأحداث ماسبيرو.

"لا تشفق عينك نفس بنفس عين بعين سن بسن يد بيد رجل برجل".. كلمة السر التي اعترف بها الجاسوس الإسرائيلي الذي يخضع للتحقيق حاليا في نيابة أمن الدولة العليا، وهي أيضا شعار الوحدة 101 التي سجلها سفر الشريعة خامس أسفار التوراة اليهودية في الإصحاح 19 فقرة 21

الوحدة 101هي العمليات الخاصة التابعة للمخابرات الحربية الإسرائيلية (أمان) التي يتبع لها الجاسوس إيلان جرابيل، وهي ذات الوحدة التي انتمت لها مجموعة عملية فضيحة لافون الفاشلة في مصر وهي وحدة رائد الموساد الشهير أفراهام دار الملقب (جون دارلنج).

الخبراء الذين حققوا معه كانوا يعرفون ماذا تعني 101 وهدف إنشائها للقيام بعمليات الرد المؤلم علي تصرفات جيش العدو، وفي حالتنا تصرفات الجيش المصري وهو ما يؤكد لنا سعي إسرائيل إحداث الفتنة بين الجيش والشعب وكأن التاريخ يعيد نفسه، فقد سقط إيلان جرابيل وإسرائيل تحتفل بالذكري الـ55 لسقوط أعضاء فضيحة لافون والوحدة 101 بمصر.

لكن ماذا عن تلك الوحدة؟ وما هدفها في مصر؟ ولماذا مصر أساسًا؟ أسئلة ننفرد اليوم بنشرها من دفاتر التحقيقات عن الوحدة 101وهي نفسها أدلة الإدانة الفنية الدامغة من وجهة نظر الأجهزة المصرية المتخصصة ضد الجاسوس.

بينما لا يزال الجاسوس الإسرائيلي ينكر بشدة كل ما ينسب إليه تتأكد الأدلة الفنية علي مدار الساعة الأمر الذي دفع السفارة الأمريكية للوساطة لدي السلطات المصرية المشرفة علي التحقيقات لمعاملة الجاسوس المعاملة التي تتطابق مع القانون وحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية فيما يخص معاملة الجواسيس من الضباط أثناء التحقيق معهم، وهو الأمر الذي أكدت القاهرة أنها تحترمه دون طلب منها أو رجاء، وعليه فقد سمح للجاسوس (بالمكالمة الإنسانية) لأسرته عقب سقوطه وهي طبقًا لمعاهدات جنيف الدولية الموقعة عليها مصر.

أما والد الجاسوس الإسرائيلي حاييم جرابيل فلايزال يتهكم علي الصحف الإسرائيلية والعالمية حيث صرح لعدد من وسائل الإعلام قائلاً: (ربما يعلنون عن أنه كائن فضائي أيضًا) وهي الجملة التي تحولت إلي عنوان العديد من الأخبار المنشورة في إسرائيل.

أما الأجهزة المعنية فقد تأكدت من أن العملية كان معدا لها بشكل جيد حتي علي المستوي السياسي، وهو ما يفسر اختيار المخابرات الحربية الإسرائيلية المعروفة باسم (أمان) إيلان حاييم جرابيل بالتحديد كضابط إسرائيلي يحمل الجنسية الأمريكية دون غيره من ضباط عمليات الوحدة 101 عمليات خاصة التابعة للمخابرات الحربية الإسرائيلية وليس للموساد كما ذهب الكثيرون.

وعلمت «روزاليوسف» أن الأجهزة المصرية قد تفرض حظرا علي النشر في القضية، بسبب تطفل المحللين الذين يسببون حرجًا حاليا بالحديث عن معلومات ربما تكون مغلوطة.

سلطات التحقيق لم تصادر حق المتهم في الإنكار دون أدني إكراه أو إجبار عليه، إلا أنها تقوم بدورها في توثيق القضية، خاصة بعد اعترافه بأنه عضو في الوحدة الخاصة 101 وكان رئيس فرقة التحقيق، وهي فرقة محترفة لدي نيابة أمن الدولة العليا المصرية، في تلك القضايا قد منح الجاسوس كل ما طلبه وكرر عليه الأسئلة عدة مرات وبطرق مختلفة بل إن الأسئلة: (مع أي وحدة يا إيلان في الجيش الإسرائيلي كنت تخدم؟ ومنذ متي؟ وهل لك أن تشرح لنا بالتفصيل كل تاريخك في تلك الوحدة؟) قد تم تكرارها أكثر من 17 مرة وبطرق مختلفة درب عليها طاقم التحقيق الذي يمتلك مهارات - بالإضافة إلي الدرجات القانونية الوظيفية المعروفة - وسجلا حافلا من الشهادات الدولية حصلوا عليها في أوروبا وأمريكا تؤهلهم للقيام بكل أنواع التحقيقات الدولية طبقا للمعايير العالمية المذكورة في اتفاقيات جنيف لمعاملة الأسري والجواسيس في السلم والحرب.

الجاسوس كرر الإجابات وحاول كثيرًا التملص من معظمها بطريقة الرد بكلمة واحدة وهي: «ليس صحيحًا»، وكلمة «لم يحدث» وكلمة «لا أعلم»، وهي الكلمات الثلاث التي تملأ الأوراق غير أنه استفاض في الإجابات عن الوحدة 101، وفي الحقيقة كانت الإجابات يمكن أن يطلق عليها الإجابات النموذجية، حيث إنه من المعروف أن الوحدة 101 عمليات خاصة إسرائيلية تابعة لجهاز المخابرات الحربية الإسرائيلية وتاريخها يمكن أن يطلع عليه العامة في الوثائق المنشورة عن الوحدة التي تكشف الواقع للعالم دون مجهود من السلطات المصرية أو سلطات التحقيق نفسها.

تاريخ الوحدة 101 جعل الجاسوس ينهار دون ضغوط ويعترف بمفاجآت ستتوالي من الجهات المعنية تباعًا، وطبقًا لتقديراتها دون غيرها، فقد فاجأه الفريق المحقق بمعلومات فنية حيث قدم له صورًا التقطتها المخابرات المصرية علي مدي تاريخ طويل وثقت فيها كل عمليات الوحدة الإسرائيلية.

يرجع تاريخ الوحدة 101الي عام 1953 لتكون الذراع الحربية الإسرائيلية التي ترد علي عمليات الجيش المصري تحديدًا، وهو ما يتضح بجلاء من خلال وثائق الوحدة التي حصلنا علي نسخة منها وتشير الوثائق الرسمية إلي أن الوحدة أنشئت في 5 أغسطس 1953 للقيام بعمليات سرية داخل مصر ضد الجيش المصري بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر آنذاك، وكان هدفها الرئيسي اختراق الحدود المصرية والقيام بعمليات إرهابية لإشاعة الفوضي داخل حدود مصر، في رد علي العمليات الفدائية التي كانت مصر تؤديها ضد المحتل الإسرائيلي.

تلك هي الأوراق الرسمية التي تشير أيضًا إلي أن النقيب (ارئيل شارون) كان أول قائد علي الأرض، في إضافة جديدة للتاريخ، حيث يتضح من الوثائق أن شارون قد كان وراء جزء من عمليات فرقة فضيحة لافون في مصر، وهي المعلومة التي لم تنشر في كتب التاريخ من قبل، الغريب أن تلك الوحدة هي التي اغتالت الضابط المصري مصطفي حافظ، وكان ذلك ردًا من المخابرات الحربية الإسرائيلية علي عملياته الفدائية ضد الجيش الإسرائيلي، وسجل التاريخ أن تلك الوحدة هي من قامت في 14 أكتوبر 1953 بمذبحة قرية قيبية العربية في فلسطين التي راح ضحيتها 69 رجلاً وامرأة وطفلاً عربيا من أبناء القرية الصغيرة التي أبيدت بالكامل في ذلك اليوم.

نعود للوثائق حيث يعد الضابط (إبراهام دار) المعروف في مصر باسم (جون دارلنج) من أشهر ضباط تلك الوحدة الإسرائيلية التي تغير اسمها في إحدي الفترات من الوحدة 101 إلي الوحدة 131 لتعود ثانية بعد فضيحة لافون لاسمها الأصلي 101 وجون دارلنج معروف رسميا بأنه مهندس تجنيد مجموعة عملية فضيحة لافون أو فضيحة العار، كما أطلق عليها في إسرائيل، و101 هي وحدة مشكلة من وحدات النخبة الإسرائيلية وعدد أفرادها من الضباط الجواسيس طبقًا للوثائق 50 ضابطًا، إيلان حاييم جرابيل واحد منهم.

أما علاقة الوحدة 101 بسلاح المظلات فكما أشار البعض حيث كان إيلان ضابطا خلال الحرب الثانية علي لبنان في الوحدة التي خدمت علي سلاح المظلات، فالوثائق تشير إلي أن يناير 1954 قد شهد أول عملية إلحاق عسكري بين الوحدة 101 والفرقة 890 مظلات قوات خاصة إسرائيلية وهي فرقة تابعة للواء الجفعاتي الإسرائيلي.

كان لاسم اللواء الجفعاتي أثر السحر لدي فريق التحقيق الذي يوثق فنيات القضية حيث إن العالم كله يعلم أن لإسرائيل ثلاثة لواءات عاملة بمعني أن جنود تلك اللواءات هم جنود الخدمة العاملة وليست الاحتياطية، وبما أن إيلان في الثابت يعد ضابطًا في الوحدة 101 الملحقة علي الفرقة 890 مظلات قوات خاصة إسرائيلية فلا يحتاج أحد لذكاء إضافي ليعلم ويتأكد أن إيلان ضابط عامل وليس احتياطيا كما حاول أن يكذب ويراوغ في التحقيقات معه.

المعلومة الأهم في التحقيق أن اللواء الجفعاتي طبقًا للتاريخ هو اللواء المسندة إليه مهام المواجهة مع الجيش المصري علي طول الحدود الدولية مع إسرائيل، وهو ما يفسر لنا إعلان جهات التحقيق من أن العملية كانت ضد الجيش المصري تحديدًا، وبالفعل فعندما نعود للأحداث الأخيرة في مصر فسنجد أنها كانت مركزة بشكل مباشر لإحداث الوقيعة بين الجيش والشعب.

في وثائق سلاح المظلات الإسرائيلي التي حصلنا علي نسخة منها نجد الوحدة 101 وقد وصف هدف عملياتها في جمل واضحة لا يمكن أن يخطئها الخبراء وحتي من يتطوع بالترجمة فهي كما جاء: "101 وحدة عمليات خاصة لجمع المعلومات العسكرية داخل الحدود المصرية ومن صلاحياتها القيام بعمليات نوعية ولوجستية ضد الجيش المصري علي طول الحدود، ومن المستندات الرسمية يتضح لنا أن مقر الوحدة 101 يقع علي الحدود المصرية - الإسرائيلية بالقرب من طابا المصرية - وهو ما يؤكد أن وجودهم في تلك المنطقة ليس عبثًا وإنما كي يكونوا من ناحية العمليات قريبين من الحدود المصرية، وهو ما فسره الجاسوس في التحقيقات بأنهم يستخدمون الأنفاق للنفاذ إلي الحدود المصرية والعودة لإسرائيل، عمليات الوحدة 101 تصدر أوامرها المباشرة من رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية ورئيس الوزراء، ولا يحق لغيرهما تحريك أفراد أو جنود تلك الوحدة مثلها في ذلك مثل كل الوحدات الخاصة في المخابرات الإسرائيلية المختلفة حيث لا يبيح القانون العسكري لإسرائيل تحريك تلك الوحدات سياسيا إلا بأوامر مباشرة عسكرية سياسية طبقا لأوضاع الأمن القومي لديهم.

الوحدة 101 في مستندات التحقيق نالت التوثيق المثالي، حيث دلت أوراق ومستندات لواء المخابرات الإسرائيلية العامل علي أنها بالفعل وحدة خاصة تابعة للمخابرات الحربية الإسرائيلية غير أن مستندات لواء المخابرات العامل تأتي بمعلومات أعتقد أنها ربما تكون أهم مما سبق من معلومات موثقة، حيث نجد عناوين عريضة لما قامت به تلك الوحدة من عمليات ضد مصر ومنها:

التجسس علي عمليات شراء مصر السلاح من المجموعة الشرقية وعلي رأسها (روسيا)، العمل خلف الخطوط المصرية للقيام بعمليات نوعية ولوجستية، التجسس علي كل ما يخص الصواريخ البالستية المصرية من معلومات، أداء المهام المختلفة عقب معاهدة السلام مع مصر، القيام بعمليات نوعية خلال الانتفاضات الفلسطينية المختلفة، القيام بعمليات نوعية أثناء حرب الخليج.. وهي المعلومة المثيرة للغاية وربما تكون أول معلومة موثقة عن تواجد ما للمخابرات الإسرائيلية أثناء حروب الخليج، القيام بعمليات نوعية في الأردن عقب معاهدة السلام.. غير أنني لم أجد وصفًا لتلك العمليات، الإشراف علي عملية الانسحاب من الحدود الدولية اللبنانية.

الغريب أن الوحدة 101 في موسوعة قوات (النخبة الإسرائيلية العاملة)، وهو ما يعني فنيا أن الجاسوس الإسرائيلي ضابط بالخدمة وليس كما يريدون تصويره، والمعلومة الإضافية في تلك الموسوعة أنها ملحقة حاليا علي وحدة تسمي (وحدة الأفعي) ملحقة هي الأخري علي سلاح القوات الخاصة للمظلات الإسرائيلية.

في الواقع كان من سذاجة البعض أن يطلقوا عليه (الجاسوس الأهبل) لأنهم بذلك يعملون ضد مصلحة التحقيق المصري، فإذا كان «أهبل» فربما من المنطقي أن تطلق مصر سراحه.. وسوف نعتبر أن عدم خبرة البعض وادعاء البعض الآخر للخبرة العسكرية المخابراتية قد كان السبب، لكن إيلان ضابط محترف بكل معاني الكلمة كانت لديه مهمة من وجهة نظره.

هذا وفي تطور مثير للقصة قدم "أفيف كوخبي" - رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية الحالي منذ يناير 2010- تصريحًا مقتضبًا يعد في نظر الخبراء اعترافًا ضمن بالجاسوس الإسرائيلي، حيث صرح للتليفزيون الإسرائيلي بأن إيلان كان بالفعل من ضباط النخبة ضمن الوحدة 101 التابعة للمخابرات الحربية الإسرائيلية، وهو ما يؤكد ويوثق معلومات الفريق المصري حاليا.

الجدير بالذكر أن وسائل الإعلام الإسرائيلية قد تسلمت صباح الاثنين 13 يونيو أمرًا عسكريا صارمًا من الرقابة العسكرية الإسرائيلية بضرورة منع نشر أي معلومات أو أخبار عن الجاسوس الإسرائيلي إلا عقب الرجوع للمخابرات الحربية الإسرائيلية، وهو ما يزيد من التأكيد أن الجاسوس موضوع مهم للغاية بالنسبة لهم، وربما أمر الرجوع للمخابرات الحربية الإسرائيلية تحديدًا يؤكد انتماء الجاسوس لهم كما دلت بيانات ومعلومات الخبراء التي لا تقبل الشك.