كرامة المواطن خط أحمر بقلم : عمرو الشوبكي

قلنا من قبل إن الجيش خط أحمر، لأن انقسامه أو إضعافه أو الإساءة إليه ستعنى القضاء على أى فرصة لإنجاز تحول ديمقراطى حقيقى، ولكن قبلها يجب أن نقول إن كرامة المواطن خط أحمر لا يجب مسه ولا يجب التلويح بعصا القمع مرة أخرى لإسكات الأصوات وتكميم الأفواه، وكأن درس 25 يناير لم يستوعبه الجميع بعد.

والمؤكد أن التاريخ سيذكر ملامح خاصة لتجربة التغيير فى مصر قامت على حماية الجيش للثورة وليس قيامه بها، كما جرى فى يوليو 1952، أو كما جرى فى البرتغال، حين قام الجيش بانقلاب عام 1974 أنجز بعدها التحول الديمقراطى بعد تردد لم يطل كثيرا.

وقد انتقل وضع الجيش المصرى من حامٍ للثورة إلى حامٍ لوحدة الدولة والمجتمع، وتوافق أغلب القوى السياسية بما فيها أغلب شباب الثورة على ائتمانه على قيادة التحول الديمقراطى وإدارة شؤون البلاد.

ومنذ تلك اللحظة - التى انتقل فيها الجيش من موقعه الخاص الذى لا يُمس قبل الثورة إلى سلطة منوط بها إدارة شؤون البلاد من خلال الصلاحيات التشريعية والتنفيذية التى يتمتع بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فيتخذ قرارات ويصدر قوانين ويشكل لجاناً ويتحاور مع نخبة المجتمع وشبابه - أصبح من الصعب ألا يتوقع أن يختلف معه أحد أو ينتقد بعض أو كل قراراته تيار أو مجموعة من المواطنين.

وبدا أمرا غريبا اعتماد بعض قادة المجلس الأعلى على برامج «التوك شو» كمعيار للتواصل مع الشعب المصرى والخلاف العلنى مع بعض الضيوف والإصرار على الاشتباك معهم بانفعال أحيانا وبالتهديد أحياناً أخرى، ومدهش أيضا أن يكون الحكم على الناس من خلال البرامج الحوارية واعتبار الضيوف المكررين فى هذه البرامج هم الأولى بالرعاية رغم أن الاستفتاء الأخير لم يدل على ذلك، ورغم أنه لا يوجد بلد فى العالم يفرز نخبته على ضوء صريخ بعض برامج «التوك شو».

خطأ جسيم أن يتم استدعاء ثلاثة مواطنين للنيابة العسكرية لأن أحدهم تحدث عن وجود صفقة بين الجيش والإخوان، والثانى انتقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والثالثة كانت مقدمة البرنامج الذى طُرحت فيه بعض هذه الآراء.

والحقيقة أن هذا الرأى الذى يُردد ما هو أقسى منه على «فيس بوك» و«التويتر» لا تمكن مواجهته بـ«العين الحمرا» وبهذا الاستدعاء المتكرر لكل من يختلف أو حتى يتشكك فى نوايا المجلس الأعلى، فنحن أمام إدارة وحكم سياسى انتقالى اختار لجنة لوضع تعديلات الدستور تضمنت شخصاً وحيداً ممثلاً لتيار سياسى هو المحامى صبحى صالح المنتمى لجماعة الإخوان المسلمين، وهو الأمر الذى فسره الكثيرون على أنه انحياز للإخوان.

الأمر نفسه انسحب على حديث بعض المواطنين والتيارات الشبابية عن أن هذه الفوضى وهذا المسار المرتبك الذى أجل وضع الدستور لما بعد الانتخابات البرلمانية يتحمله المجلس، بل وصل بالبعض إلى أن أعلن على المواقع الإلكترونية وغيرها أن هذا الأمر متعمد حتى يطالب الناس الجيش بالبقاء فى السلطة لمواجهة الفوضى ويظهر علينا رئيس «الأمن والأمان» الذى لم نره بعد.

إن هذه الأسئلة استحوذت على أحاديث كثير من المواطنين فى ميدان التحرير، فأثناء الثورة كان السؤال المتكرر الذى نستمع إليه حول نوايا الجيش، وبعد نجاح الثورة كان السؤال المتكرر عن أسباب تباطؤ الجيش، وهل هذا يعكس تواطؤاً مع النظام القديم أم لا؟

والحقيقة أن ردى كان أن هناك ارتباكاً فى بعض قرارات المجلس لأنه مجلس مهنى وعسكرى وليس تنظيماً سياسياً، وربما جزء من مصداقية الجيش أنه مؤسسة مهنية احترمت نفسها وقواعدها فانحازت للثورة دون أن تمتلك خبرة الحكم وتعقيداته.

والحقيقة أن قناعتى الشخصية (التى أرجو ألا تتغير) هى أنه لا توجد أى صفقة بين المجلس والإخوان ولا أى فصيل سياسى آخر وأنه لا توجد أى نية لهؤلاء القادة الوطنيين فى البقاء بالسلطة أو أن لديهم مخططاً سرياً للفوضى حتى يكونوا هم البديل للحكم المدنى «الفاشل».

ولكن من العجيب أن يكون الرأى المخالف، الذى عبَّر عنه الأستاذان نبيل شرف الدين وحسام الحملاوى، يستحق الاستدعاء أمام النيابة العسكرية، فكل هذه الأقاويل تتردد كل يوم، وهناك كثيرون يختلفون معها، ولكن من الخطأ أن يكون التعامل معها بالاستعداء وبالنيابة العسكرية.

خطأ جسيم أن نتصور أن قيام ثلاثة قضاة بنقد تحويل المدنيين إلى محاكم عسكرية أمر يستدعى التحقيق، فالجيش هو الذى أفرج عمن تعرضوا لمحاكم ظالمة نتيجة تحويل مدنيين لمحاكم عسكرية، والجيش الذى حمى الثورة ووثق فيه الشعب وأحبه طواعية يجب أن يكون أول من يلغى قرار إحالة المدنيين لمحاكم عسكرية ويعتبر أن منجزات الثورة التى حماها هى طى هذه الصفحة تماما من تاريخ مصر لا أن يعتبر الحديث فيها إساءة له بل العكس هو الصحيح.

أشعر بأن صندوق مبارك فى حكم البلاد مازال معنا، وأن الأشياء الناصعة والمضيئة فى عمق علاقة الجيش بالشعب المصرى هناك من يصر على خدشها بخلق فجوة غير موجودة بينهما، فمحاسبة كاتب أو مدون على رأى أمر يجب ألا نراه فى مصر الجديدة مهما كان خلافنا معه.

إن مهمة المجلس الأعلى أكبر بكثير من متابعة أحاديث الناس فى برامج التوك شو وتحويل المختلفين معه للنيابة العسكرية، فهؤلاء الذين رفضوا إطلاق الرصاص على المتظاهرين يجب أن يكونوا على المسافة نفسها مع المتفقين والمختلفين وبين المقتنعين طواعية أو نفاقا بدور الجيش أو المختلفين معه حبا وعشما أو رفضا وتشككا، فكل هؤلاء هم فى النهاية أبناء هذا البلد ولا يمكن تخويفهم بسلطة النيابة العسكرية.

يجب أن يتأمل الجميع تلك الجملة التى رددها من استدعتهم النيابة العسكرية: «لقد مارسنا العمل الإعلامى لسنوات طويلة فى عهد مبارك ولم نتعرض لأى مضايقة أو استدعاء، ثم بعد الثورة يتم استدعاؤنا من قبل النيابة العسكرية».

الجيش شريك فى نجاح الثورة، وقادة المجلس الأعلى الذين رفضوا إطلاق الرصاص على المتظاهرين كانوا سيدفعون ثمنا ربما أكبر من الثوار فى حال لا قدر الله أخفقت الثورة، فهؤلاء الذين يتحاورون مع الجميع يمكنهم أن يتحاوروا أيضا مع المختلفين والمتشككين بالكلمة الطيبة لا بالنيابة العسكرية.