فهمي هويدي يفتح ملف الإعلاميين المتعاونين مع أمن الدولة

لم أفهم لماذا أبرزت إحدى الصحف الأسبوعية المصرية تقريرا عن إعلامية تليفزيونية شهيرة، الخبر فيه أنها كانت «تتعاون» مع جهاز أمن الدولة فى ظل النظام السابق، ذلك أننى اعتبرت أن التقرير ظالم وغير برىء، ببساطة لأنها لم تكن وحيدة فى هذا المضمار. لذلك فإن السؤال الذى خطر لى بمجرد أن قرأت العنوان هو: لماذا هى دون غيرها من المتعاونين الذين يتصدر بعضهم الواجهات حتى الآن. ولم أجد تفسيرا لذلك سوى أن مسألة التعاون مع أمن الدولة أثيرت لتصفية حسابات أخرى لا أعرفها.

لست فى وارد الدفاع عن الإعلامية التى لا تربطنى بها أية علاقة ولم ألتق بها فى أى وقت، ولكننى أزعم أن ملف الإعلاميين المتعاونين مع الأجهزة الأمنية لم يفتح بعد، رغم أن تناوله سهل للغاية لمن يريد أن يتعرف على الحقائق والمواقف. إذ فى المجال الصحفى تحديدا، فإن «الأرشيف» المتاح للجميع يحفل بالشهادات التى لا تقبل الشك أو الطعن. ذلك أن ممارسات كل صاحب قلم هى «اعترافاته»، التى لا يستطيع أن يدعى الآن أنه أدلى بها تحت التعذيب أو أنها انتزعت منه بالإكراه.

وإذا جاز لنا أن نتصارح فى الموضوع، فلابد أن نتفق ابتداء على أن مصر ظلت طوال العهد السابق تحكم بالشرطة والإعلام. الشرطة كانت تقمع الناس، والإعلام كان يغسل أدمغتهم ويشوه إدراكهم. بسبب من ذلك فإنه ما من مؤسسة صحفية أو مكتب صحفى فى مصر إلا وتم اختراقه بصورة أو أخرى. وما من كاتب أو مراسل صحفى إلا وطرق الجهاز بابه وحاول استخدامه. وكلنا نعلم أن من «تعاون» فاز ونال الرضا، ومن تمنع ورفض فعليه أن يدفع ثمن موقفه.

حدث ذلك معى مرتين حيث تلقيت فى منتصف الثمانينيات اتصالين من جهتين مختلفتين. كان الأول محاولة لجس النبض، حيث دعيت إلى لقاء قيل لى فيه إن أسماء كبيرة (لا داعى لذكرها الآن) قدمت إليها معلومات تتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية ولكنها لم تحسن استخدامها. وإنهم يرشحون أسماء أخرى موثوقا فيها لكى تؤدى «الواجب الوطنى» المطلوب. وهى رسالة لم أستوعبها جيدا إلا حين تلقيت اتصالا هاتفيا قبل رحلة اعتزمت القيام بها إلى إيران، وطلب منى العقيد أو العميد المتصل معلومات معينة، الأمر الذى أصابنى بصدمة دفعتنى إلى إبلاغ الرجل بألا يعاود الاتصال بى ثانية، ثم أغلقت سماعة الهاتف دون أن أسمع رده. وفى اليوم التالى مباشرة ذهبت إلى الدكتور مصطفى الفقى الذى كان يعمل فى مكتب الرئيس آنذاك، وأبلغته بما حدث. وطلبت منه أن يبلغ المسئولين فى الأجهزة المعنية بأنهم اختاروا الشخص الغلط والعنوان الغلط. ويبدو أنه أوصل الرسالة، لأن أحدا منهم لم يتصل بى بعد ذلك على الإطلاق.

كنت قد رويت فى مقام آخر ما سمعته ذات مرة من أحد القياديين فى حركة حماس، حين سأل رئيس المخابرات العامة السيد عمر سليمان أثناء لقاء اتسم بالود والتبسط عن الجهة التى تضغط على «الزر» فيهاجم الإعلام الفلسطينيين، ثم تضغط مرة أخرى فتخف اللهجة وتتسم بالاعتدال. وقتذاك ابتسم عمر سليمان وقال إنه هو الذى يضغط على الزر. كما أننى لست أنسى فى هذا الصدد أننى سمعت ضابطا كبيرا فى جهاز أمن الدولة يصف العاملين فى إحدى المؤسسات الصحفية بأنهم «أولادنا، الذين ربيناهم على أيدينا حتى كبروا وأفلحوا»!. وأمثال هؤلاء كثيرون فى مختلف الصحف، وبعضهم لا يزال يحتل الصدارة فى بعضها.

إن «المتعاونين» يراهنون على ضعف الذاكرة العامة. لكن «الأرشيف» لايزال حافظا لكل واحد سجله. وإذا قدر للملفات أن تفتح فسوف يدهش الجميع حين يكتشفون المتعاونين الكبار. الذين تحولوا الآن إلى ثوريين وإصلاحيين وهم الذين ظلوا أبواقا للأجهزة الأمنية طول الوقت حين تسابقوا على تجميل سياسات الداخلية، ونظموا القصائد فى مدح لجنة السياسات، وجندوا أقلامهم وصحفهم لتمرير التوريث وامتداح «اكتساح» الحزب الوطنى للانتخابات التشريعية الأخيرة. وهم الذين روعوا الناس بما سموه «ميليشيا» الإخوان لتبرير الانقضاض عليهم. وهم الذين استخدموا للوقيعة بين المسلمين والأقباط وبين المصريين والفلسطينيين.. ووصف بعضهم رجال المقاومة بأنهم «أوباش». وقال قائلهم إن إيران أخطر على العرب من إسرائيل، وأن العلاقات مع إسرائيل ينبغى أن تقدم على العلاقات مع العرب إذا حدث التعارض بينهما. وكان التوجيه الأمنى الخادم للسياسات المعوجة والمرذولة وراء كل تلك الفرقعات والأكاذيب.

حين يترك كل هؤلاء ويتم ذبح إعلامية لأنها كانت متعاونة مع أمن الدولة. فإن ذلك يعد ظلما ما بعده ظلم. إننى لا أدعو إلى تبرئتها. ولكننى أرجو ــ إذا كان لابد من فتح الملف ــ أن نراجع جيدا قائمة المتهمين، ليعرف دور كل واحد فى ذلك «التعاون» المشبوه