نريده زئيرًا لا نُباحًا ..بقلم : فهمي هويدي

تزف إلينا صحف الصباح كل يوم أخبار ميلاد حزب جديد، يستلهم مبادئ وأهداف ثورة 25 يناير، أو يقوم على أكتاف بعض الشباب الذين أسهموا فى الثورة. ولا أجد غضاضة فى ذلك الحماس الذى يدفع البعض إلى تأسيس حزب لهم، وأعتبر أن ذلك مؤشر على حالة من الإيجابية السياسية طرأت على المجتمع المصرى بعد ثورة 25 يناير.

إذ بعد سنوات العزوف عن السياسة والاستقالة منها، التى ظل «الحزب الوطنى» خلالها محتكرا للسياسة وفارضا نفسه بقوة الأمن ممثلا وحيدا لشعب مصر، قدر لنا أن نشهد ذلك الحماس والتنافس على الانخراط فى السياسة والحماس للمشاركة فى العمل العام. إن شئت فقل إن المصريين اكتشفوا بعد سقوط نظام مبارك أنهم استعادوا بلدهم، وأنهم أصبحوا مسئولين عن إصلاحه وتسيير أموره، فاتجهوا إلى الوفاء باستحقاق تلك المسئولية.

من ناحية أخرى، فليس لدىّ قلق من كثرة عدد الأحزاب، حيث أعتبر أن ذلك أمر طبيعى، وصحى أيضا. ذلك أنه بعد سنوات احتكار السياسة وإقصاء المجتمع وازدرائه، لا غرابة فى أن يسعى المجتمع بواسطة ناشطيه لتعويض ذلك الحرمان، وإن ببعض الهرولة، وقد سبق أن ذكرت أنه بعد الحرب العالمية الثانية التى انكسرت فيها اليابان عقب إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازاكى، تسابق الناشطون على النهوض بالبلد، وتشكل حينذاك 400 حزب، ظلت أعدادها تتناقص بمضى الوقت من خلال الممارسة حتى أصبحت الآن 12 حزبا، أقواها حزبان فقط يتداولان على السلطة. من هذه الزاوية فلا قلق من تعدد الأحزاب أو كثرتها، وطالما أن الجميع سيحتكمون فى نهاية المطاف إلى صناديق الانتخاب، وسيتنافسون فى جو من النزاهة والحرية، فإن ذلك يعنى أن المجتمع هو الذى سيقرر الأحزاب الجديرة بالبقاء والاستمرار، وتلك التى ينبغى أن تختفى أو تأتلف مع غيرها.

لا أستطيع أن أخفى حفاوتى بأى أحزاب تخرج من رحم المجتمع وتعبر عن شىء فيه، بخلاف الأحزاب الوهمية الراهنة التى خرجت من مكاتب جهاز أمن الدولة وظلت ذيلا للحزب الوطنى الحاكم فى النظام السابق، لكن ذلك لا يمنعنى من تحذير القائمين عليها من الوقوع فى فخ التمويل الحرام الذى تلوح به بعض الجهات الغربية فى الوقت الراهن، بدعوى «دعم الديمقراطية» (الولايات المتحدة وحدها رصدت 150 مليون دولار لهذا الغرض). ذلك أننى أتمنى ألا ننتقل من الأحزاب المغشوشة إلى طور الأحزاب المخترقة، خصوصا أن سماسرة دعم الديمقراطية ظهروا فى القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة ويتحركون الآن بهمة لترويج بضاعتهم.

عندى بعد ذلك ثلاث ملاحظات على الأحزاب الجديدة التى نشأت حتى الآن على الأقل:

• إنها قاهرية بالدرجة الأولى. بمعنى أنها تركز على جمهور العاصمة، وليس لها حضور يذكر فى الدلتا أو الصعيد. وأخشى أن يكون السبب فى ذلك ليس صعوبة أو كلفة التجول فى الأقاليم، وإنما أيضا القرب من دائرة الضوء ووسائل الإعلام، ولا أقول من مقار السفارات الأجنبية والمنظمات الدولية.

• إنها تتشابه فى برامجها. ذلك أن أهداف ومبادئ ثورة 25 يناير تكاد تكون واحدة، بالتالى فإن الفروق لا تكاد تذكر بين الأحزاب التى يفترض أن تستلهم تلك الأهداف والمبادئ. لذلك فإنه سيكون من الصعب على المواطن العادى ــ أو حتى الناشط السياسى ــ أن يختار بين حزب وآخر، نظرا لتشابه برامجها. وهو ما يعنى أن معايير الانضمام إلى حزب دون آخر ستكون شخصية أو جهوية أو فئوية، ولن تكون سياسية أو موضوعية.

• إن تعدد تلك الأحزاب إذا كان سيثرى الحياة السياسية، فإنه سيضعف تلك الأحزاب كثيرا إذا لم تأتلف فيما بينها عند خوض المعركة الانتخابية، إذ إن أصوات المؤيدين لثورة ومبادئ ثورة 25 يناير ستتوزع على الأحزاب، الأمر الذى لن يمكِّن أى منها من الحصول على نسبة عالية من الأصوات. وأحسب أن صيغة ائتلاف شباب الثورة الذى ضم 8 قوى أساسية أثناء الاعتصام فى ميدان التحرير، بينها 4 حزبية وأخرى مثيلة لها غير حزبية، يمكن أن تشكل نموذجا ناجحا لترتيب خوض الانتخابات البرلمانية، ذلك أن ائتلاف أحزاب الثورة، إذا أعلن فإنه يمكن أن يصبح منافسا قويا لأى حزب كبير يخوض الانتخابات، لأن وهج مبادئ الثورة لايزال يحتل مكانته الرفيعة فى الإدراك العام رغم مضى أكثر من ثلاثة أشهر على الثورة. وأذكِّر هنا ببيت الشعر الذى أطلقه أحمد شوقى يوما ما، وقال فيه:

صوت الشعوب من الذئير مجمعا فإذا تفرق كان بعض نباح

إننا نريد صوت جماهير ثورة 25 يناير زئيرا يتردد فى الفضاء، وليس نباحا تلتقطه الأسماع بصعوبة.