"مثقفو" الدفاع عن الدكتاتوريات د. خالد الحروب – كامبردج

"مثقف السلطة" ليس جديداً حضوره ذاك، في أنه احتل في التاريخ موقع المسند الذي يتكئ إليه الدكتاتور ويستخدمه في شرعنة سيطرته وتحكمه في الناس. بيد أن ذلك الحضور الدائم لا يقلل من بشاعة صورته خاصةً عن تفاقم حضوره خلال الانعطافات الحاسمة في تاريخ الشعوب وعند لحظات تخلّصها من استبدادها، كما هو الحال في الثورات العربية القائمة. "مثقف السلطة" العربية الراهنة يتمسّك بمقولة الاستقرار ويريد أن "يعري" الثورات العربية لكونها تجلب الفوضى. الثورة بطبيعة الحال وبالتعريف تقلب الوضع القائم ومعها وبعدها تتدهور البنى السياسية والاقتصادية والأمنية وتنتشر فوضى مؤقتة تصدم الناس وتمس المستويات الأهم في حياتهم. في هذه اللحظة بالضبط يقفز "مثقف السلطة" مماحكاً الناس ومتشفياً بهم ليقول إن ثورتهم تعني الدمار والفوضى، وإن ما ثاروا عليه من "استبداد" أفضل لهم ألف مرة من الثورة؛ لأن الاستبداد ــ على استبداده ــ وفّر لهم الاستقرار دوماً.
"مثقف السلطة" يريد أن يغيّب حقيقةً تاريخيةً كبرى، واقعية وإمبريقية، وهي أنه لا مناص عن المرور بمرحلة "فوضى الثورة". في هذه المرحلة تتحدد خصائص "ما بعد" الثورة، وهنا فإن كل ثورة تأخذ منحى خاصاً بها يعتمد على أسباب اندلاعها، وطبيعة تحالفات القائمين بها، ومطالب ثوّارها وسياستهم وأيديولوجيتهم، والمناخ المحيط المجاور والعالمي. طبيعة وعناصر وفاعلو الثورات العربية تدفعنا للتفاؤل بأن منحى الثورات العربية سيكون باتجاه أفضل ألف مرة ممّا كانت عليه الأمور المتكلسة والمتجمدة والمتعفنة تحت وهم الاستقرار المديد. مرحلة "فوضى الثورة" لا يمكن التقليل من خطرها، ففي فوضى فوضاها تعيد قوى النظام المُسقط تجميع فلولها وإعادة إنتاج نفسها، وفي فوضى فوضاها قد تأكل هذه الثورة أو تلك أبناءها، وقد تتشتت البوصلة ويتفرع الشعار الجمعوي الواحد الذي ساد خلال الثورة إلى شعارات متصارعة بين مجموعات كانت حتى يوم قريب تناضل جنباً إلى جنب ضد عدوها المُستبد الواحد. بالمجمل العام، واستئناساً بشواهد تاريخية، يمكن القول إن "مرحلة فوضى ما بعد الثورة" تكون قصيرة المدى لكنها ثقيلة الوطأة على المزاج العام وتهدد بانفضاض سريع عن الثورة وإحباط أسرع للأحلام والتوقعات. ليس من السهل معالجة ذلك خاصة على مستوى الرأي العام الواسع (الشارع) الذي تستبطنه أحلام أو أوهام بأن التغيير الجذري للأفضل سيشرق مع صباح اليوم التالي لسقوط النظام الدكتاتوري. عندما تمر شهور ولا يتحقق ذلك يسود الشعور بالخوف والقلق على المستقبل الفردي والعام – وهنا يبدأ "مثقف السلطة" بالدفاع عن الاستبداد الذي لا يزال صامداً في وجه شعوبه في توظيف حقبة "فوضى الثورة" كنموذج تفسيري وإقناعي (paradigm) لإثبات عدم جدوى الثورة بل وآثارها التدميرية عند المقارنة بجدوى الاستبداد وما يوفره ظاهرياً من استقرار. هنا يجب الوقوف بحزم ضد هذا المنطق التشويهي والانتهازي خاصةً عندما يدافع عن دكتاتوريات فاشلة على كل الصعد. تتنوع الدكتاتوريات في طبيعتها ومستوى وجزئية "إنجازاتها"، وهو تنوّع لا ينفي إدانتها جميعاً ورفضها بالمطلق كشكل للنظام السياسي. هناك دكتاتوريات حاولت أن تنجح مشروعات نهضوية في بلدانها مقابل الدوس على كل مطلب للحريات السياسية والديمقراطية. وهناك دكتاتوريات خاضت حروباً وطنيةً ضد غزاة خارجيين، وخلال ذلك داست على كل مطلب للحريات السياسية في الداخل. يمكن للمرء أن يفهم المقايضة التي تقوم بها دكتاتورية "منجزة" تحاول أن تشتري الولاء من قبل مواطنيها، هذا ومرة أخرى على الرغم من رفض المنطق الدكتاتوري برمته وأياً كانت درجته.
لكن دكتاتورياتنا العربية كانت من طينة مختلفة: أرادت وتريد شراء ولاء الأفراد، وقمع حرياتهم السياسية، وحرمانهم من المشاركة في تقرير مستقبلهم ومستقبل بلدهم، مقابل لا شيء ــ مقابل تحكم نخبة حزبية، أو طائفية، أو عائلية، أو قبلية بمقدرات وثروات البلد ورهنه للتبعية الأجنبية أيضاً. لهذا فإن المنطق التخويفي الذي يسوقه مثقفو تسويغ الوضع القائم والدفاع منه مقابل وضع الثورات العربية يجب أن يُرفض ويفكك ويُعرى، خاصة والأوضاع الدكتاتورية القائمة فاسدة وقامعة وموغلة في العفن والاستبداد ولا يقوم هناك أي مبدأ "مقايضة" ممكن القبول به. صحيح أن "فوضى ما بعد الثورة" تنطوي على كتالوغ طويل من التخوفات والمعضلات وفقدان الإحساس بالثقة والضمان بأن مجتمع ودولة ما بعد الثورة تسير وفق الحلم والأمل، لكن ذلك كله ينحصر في المدى القصير. على المدى المتوسط والطويل تستقر الأمور شيئاً فشيئاً وتسترد المجتمعات عافيتها تدريجياً، ولكن في مناخ جديد سمته الحرية والكرامة والمشاركة السياسية.
المنطق الانتهازي الذي يريد تحويل حقبة "فوضى الثورة" إلى نموذج أو "براديم" تخويفي يرعب الشعوب من اللجوء للثورة والانتفاض على الاستبداد المحيق بها يسهب في تشريح تنويعات لـ "الفوضى" المذكورة بأمل تعظيم تأثير التخويف وتعميق توجهات القبول بالأمر الواقع على علاّته واختلالاته. يسوق "مثقف السلطة" منطق الفوضى الأمنية ويبالغ في استخدام الوضع الانفلاتي الجديد خاصة في الثورات التي لا تزال قيد الثوران، أو في الحالات التي تعتمل فيها الثورة تحت السطح، هي مبالغة انتهازية بحتة، دفاعية وتسويغية لا تهدف ولا تحقق سوى إطالة عمر الاستبداد. كما يُشير مسوغو الاستبداد ومثقفوه إلى "فوضى الحرية" التي تنتشر فجأة وباتساع "مخيف" ويستخدمها الناس "الذين لم يتعودوا على الحرية، وبالتالي لا تناسبهم". لا يقول لنا هؤلاء المنظّرون كيف يمكن أن "يتعود" الناس على الحرية إذا ما تم قمعها وقمعهم في كل وقت وزمن تنفتح فيه هذه الحرية عليهم؟ ويتحدث مسوغو الاستبداد عن انهيار اقتصادات ما بعد الثورة، سواء داخلياً حيث يعمل الانفلات الأمني على إحباط عجلة الاقتصاد المحلي، أو خارجياً حيث يخسر البلد الثقة المالية من قبل الدائنين الخارجيين، وهكذا. ثم نقرأ أيضاً في إبداعات منظري الدكتاتوريات العربية أن الثورات تفتح المجال للتدخل الأجنبي، وكأن هذه الدكتاتوريات التي ضمنت استقرار مصالح القوى الأجنبية وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي كما شهدنا جميعاً في الخطابات "القذافية" و"الأسدية" لم تكون سوى ورق توت تافه يدرك كنهه الجميع. الدكتاتوريات العربية وتوحشها المنسوج مع غباء إستراتيجي، والتي رأيناها ونراها في طول وعرض العالم العربي، هي التي قادت إلى التدخل الأجنبي بسبب مراهقاتها السياسية والعسكرية والحزبية. هذه الدكتاتوريات التي تطحن شعوبها بالدبابات في هذه الأيام في المدن الليبية والسورية واليمنية هي التي قلبت المزاج العربي الشعبي ليصير مرحباً بالتدخل الأجنبي العسكري لأنه الحل الوحيد الذي ينقذها من إجرام الأنظمة والموت الذي تجلبه على رؤوس المدنيين.