د.عزازى على عزازى إخوان التكتيك وليبرالية الاستمرار

ثلاثة أشهر مضت ولم أكتب حرفاً واحداً، بدأ صمت الحروف بعد طوفان الثورة، حينما أصبحت المعانى أكبر من مستوى اللغة، وأصبحت اللغة محض أبجدية صماء، وكان السؤال ماذا أكتب فى لحظة لا ينوب فيها شىء عن الفعل، وكيف أكتب وقد تبدل نحو الجملة الوطنية، فصار المفعول فاعلاً لأول مرة فى تاريخ الفصاحة منذ الخليل وسيبويه، وصار المستقبل «بكسر الباء» مُرسلاً، فارتبكت منظومة العمل الإعلامى التقليدى، وانقلب قانون المشاركة السياسية فى اللحظة التى تفجرت فيها ينابيع الكتلة الصامتة، حتى أبانت وأفصحت، وكتبت بملايين الأقلام صفحة جديدة فى تاريخ الإنسانية، فى هذه اللحظة كان لابد أن تخفت أصوات النخبة المحترفة للكلام والكتابة تحت هدير البركان الشعبى الجارف، وأن تتوارى قليلاً، ليتصدر أصحاب الحق فى الثورة كل الصور والمشاهد، لكن اللئام المحترفين، خاضوا معركتهم، بطريقة تبعث على الشفقة، فبدأوا بمدح الثورة وتمجيد الشعب، والبكاء على الشهداء، وإقامة ولائم نجاح الثورة، وتضخيم مشاركتهم فيها، وتقديس ميدان التحرير مثابة الثوار وساحة الأمجاد، ثم شاركوا فى حوارات تعطيل الثورة، وتبريد لهيبها مع النائب المخلوع للرئيس المخلوع، وحكومة «شفيق - مبارك» ورمزها المعطل يحيى الجمل.

حافظ بعضهم على الوجود فى الميدان وفى الحوار معاً، لأن التكتيك أغلى عندهم من الاستراتيجية، كما فعل الإخوان المسلمون طوال تاريخهم المجيد منذ أكثر من ثلاثة وثمانين عاماً، وهو الأمر الذى يرفضه شبابهم الثائر والنبيل الذى تمرد على قرار الجماعة برفض المشاركة فى جمعة الغضب الأولى، وفعلها ثانية بالمشاركة فى جمعة الغضب الثانية، فالكبار يتحركون – تكتيكيا – بمقدار النجاح فى الصفقة، أما الشباب فهدفهم – كسائر شباب التحرير- استمرار الثورة وحمايتها.

المهم أن الاقتراب الحميم من مركز السلطة صار الهدف والغاية العظمى من خلال خلق القابلية للاستخدام، ويستوى فى ذلك الإخوان والسلفيون مع بعض قطاعات التيارات المدنية الأخرى.

حينما نتأمل ذلك كله ونتابع شبق البعض فى التهام تورتة يناير، ومحاولات إزاحة وإقصاء الآخرين، والمبالغة فى تملق المجلس العسكرى والمشاركة فى تيار التشويش والتخويف من الانهيار الاقتصادى والمظاهرات الفئوية، واستخدام فزاعة العلاقة بين الشعب والجيش لدرجة إهانة وتخوين ثوار التحرير، كان لابد للحروف أن تخرج عن صمتها لا لمواجهة ما يسمى بالفلول، لأن أمرهم سهل بعد أن أسقطت يناير رؤوس النظام، لكن الأخطر هم هؤلاء الذين يتأهبون لاقتسام الغنائم باعتبارهم وكلاء عن الثورة، وهم على استعداد كامل للتواطؤ على أهداف الثورة، والعمل بدستور ناقص أو بغير دستور فى مقابل تواجدهم، والقبول بالمحاكم العسكرية ما داموا هم بعيدين عنها، ورفض التظاهر فى التحرير، رغم أن الميدان العظيم هو سبب نعمتهم، وبوابة ظهورهم المتعالى والمتعجرف، سواء كانوا من الفصائل التى تخلط الدين بالسياسة والتى تصنع الحرائق، ثم تتوسط لإطفائها، أو بعض فصائل الليبرالية المزيفة، والتى كانت تملك المال والنفوذ قبل الثورة، وتريد أن تستمر تحت غطاء الثورة.

أصبحت الصورة الآن خالية من الحشود الحارسة، وتصدرها الحواة الذين يغيرون جلد خطابهم كل يوم، بما يحقق مصالحهم لا مصالح الوطن، فمازال الشهداء والجرحى بغير راع، ومازال رجال الأعمال «أبناء النظام المخلوع» أصحاب فلسفة الاستمرار والاستقرار ينتظرون مزيدا من الطبطبة والتسهيلات والطمأنة وربما بوس الإيد لكى يعودوا ليعوضونا عن الفقر الذى تسبب فيه حمقى التحرير، وبالمرة نعفو عن مبارك ورجاله بعد ردهم المبالغ التى استولوا عليها، والغريب أن موجة تمجيد الشعب صاحب الثورة، قد عادت إلى النظرة السابقة التى كانت تصفه بالجهل وعدم النضج أو الأهلية للديمقراطية.. ومازال الأمن غائباً عن الشارع المصرى رغم كل الأفراح التى أقيمت لعودتهم، لكنهم استيقظوا فجأة فقبضوا على بعض الشرفاء الذين كانوا يوزعون بياناً يدعو الناس لحضور جمعة الغضب الثانية.. لكل ذلك أعود للكتابة، لتنتهى فترة الانقطاع مع الصدور اليومى لـ«اليوم السابع» متمنيا للصحيفة وللقارئ صاحب المصلحة فى المعرفة تفاعلاً خلاقاً يكسر كل دوائر التواطؤ، والمجد كل المجد للتحرير، الميدان والشهداء والجرحى والثوار.