المسلمون وحادث حريق الكنيسة والثورة المضادة

لقد عاشت مصر خلال الشهور الأولي من عام 2011 مرحلة فريدة ومتميزة في تاريخها المديد وهي مرحلة الثورة الشعبية لكافة ابناء المجتمع وقواه السياسية والفكرية وكافة فصائل الشعب بأطيافه المتعددة وهي ثورة غير مسبوقة في تاريخها منذ قرون. لقد هزت هذه الثورة وأسقطت النظام السابق وتسعي لإقامة نظام جديد.
لكن المرحلة الانتقالية دائما لا تقل صعوبة عن مرحلة التغيير الثوري وتتسم هذه المرحلة ببعض السمات منها الإيجابي ومنها السلبي. ولعلنا نذكر بعض تلك السمات للمجلس الأعلي للقوات المسلحة ولرئيس الوزراء.
الأولي: أنها مرحلة قلقة لم تستقر الأمور فيها بعد سواء بالنسبة للأمن والأمان. سواء بالنسبة لعلاقات طوائف المجتمع المسلمين والاقباط وغيرهم سواء بالنسبة للسياسات الخارجية أو الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية سواء من حيث الانضباط والنظام وكل هذا يمثل مرحلة مخاض صعبة نتمني أن تعبرها مصر سريعا حتي تستطيع ان تستعيد مسيرتها التنموية ودورها السياسي بفاعلية وقوة ووضوح رؤية.
الثانية: أن هذه المرحلة الانتقالية وحكومتها الانتقالية رغم صفتها هذه استطاعت ان تبادر بسياسات جديدة وتحدث تغيرات جوهرية وبعضها أثار القلق والبعض الآخر لقي الترحيب الحذر خاصة بالنسبة للجنة تعديل الدستور ونحو ذلك.
الثالثة: أن من السياسات التي أثارت القلق بعض التصريحات غير المدروسة بدقة حول طبيعة مفهوم الحرية. فالحرية لا تعني الفوضي ولا تعني عدم الخضوع للقانون ولا تعني الانفلات من العقاب ولا تعني الافتئات علي حرية الآخرين ولا تعني الخروج علي قيم وثقافة وتقاليد المجتمع والشعب الراسخة ولذلك فإن بعض السياسات والتوجهات المحافظة ثقافيا ودينياً واجتماعياً التي أخذ البعض يروج لها في الإعلام أو في بعض مؤسسات الدولة تتعارض مع قيم المجتمع المصري وتراثه العريق ونظرته للدين ودوره وطبيعته أو علاقة طوائف المجتمع بعضها بعضا فمصر عبر تاريخها تتسم بالاعتدال والعقلانية وكانت رائدة الفكر الثقافي والديني المستنير وكان الأزهر هو المنارة الدينية وكان المفكرون الليبراليون هم قادة الفكر العربي منذ رفاعة الطهطاوي وطه حسين وسلامة موسي ولويس عوض والشيخ محمد عبده والشيخ الجواهري الطنطاوي والشيخ مصطفي المراغي والشيخ علي عبدالرازق ومصطفي عبدالرازق وغيرهم كثير.
الرابعة: أن مصر الجديدة لا يجب أن تتخلي عن هذا الدور المستنير وتتحول لمحاكم تفتتيش للمثقفين أو تصبح ساحة للتطرف الديني أو غيرهم. فالدين في مصر عميق الجذور ويتسم بالتسامح منذ عهد الفراعنة والإسلام عندما جاء لمصر لم يهدم الآثار الفرعونية بل حافظ عليها تراثاً للبشرية. ومصر ظلت دولة ذات اغلبية قبطية لمدة ثلاثة قرون بعد الفتح الإسلامي لها وظلت محتفظة بلغتها القديمة حتي أواخر الدولة الأموية عندما تم تعريب الدواوين في عهد عبدالملك بن مروان فتعلم كثير من المصريين اللغة العربية لضرورات العمل في الجهاز الإداري للدولة.
الخامسة: أن الإسلام بدوره لم يجبر أية شعوب فتح بلادها علي اعتناق الإسلام ولعل أكبر مظهر من مظاهر التسامح الإسلامي في صلح الحديبية عندما وافق النبي عليه الصلاة والسلام لمشركي قريش انه إذا جاء أحد منهم للمسلمين يعلن اسلامه أن يعيده اليهم وإذا ذهب أحد المسلمين إلي معسكر مشركي قريش تاركاً الإسلام لن يعيدوه للمسلمين. وهذا أثار بعض المسلمين من صحابة النبي الكريم ولكنه بحكمته المستمدة من سماحة الإسلام والحرية الدينية رأي ان من يذهب من المسلمين إلي صفوف الكفار ويترك الإسلام فهو لا يستحق أن يهتم به الإسلام لأن ايمانه ضعيف والإسلام يهتم بأصحاب الايمان القوي وليس بالضعفاء. ولذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم المسلم القوي خير وأحب إلي الله من المسلم الضعيف. كما قال في حديث آخر من كانت هجرته إلي الله ولرسوله فهجرته لله ولرسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلي ما هاجر إليه. هذا الحديث أكثر انطباقا علي حالة تلك السيدة المسيحية التي اعتنقت الإسلام ليس عن اقتناع وإنما رغبة في الطلاق من زوجها أو رغبة في الزواج من شخص آخر فهذه ليست مسلمة حقا ولا ينبغي ان يهتم بها المسلمون الحقيقيون.
إن الإسلام تكلم عن حد الردة عندما يكون عملاً جماعيا هو بمثابة الخيانة العظمي وإعلان الحرب علي دولة الإسلام في حين انه لو لم يفعل ذلك فالقاعدة هي الحرية الدينية من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. لكم دينكم ولي دين. أفا انت تكره الناس حتي يكونوا مسلمين.
إن الذين حرقو الكنيسة وهاجموها خرجوا عن القيم الصحيحة للإسلام وعن وصايا النبي "استوصوا بأقباط مصر خيراً". وعن وصايا الخلفاء بعدم المساس بدور العبادة والكنائس والصلبان والرهبان. إن هؤلاء الذين هاجموا الكنيسة يجب ايقاع أشد العقاب بهم لخروجهم علي سماحة الإسلام وخروجهم علي مبدأ الحقوق المتساوية للمواطن بمقتضي الدستور ولاعتدائهم علي الأملاك التي تخص الغير ولنشرهم الفساد في الأرض. فيجب أن ينطبق عليهم حد الحرابة. ونتساءل ماذا يستفيد المسلمون لو أسلمت سيدة أو رجل أو مائة شخص المسلمون بالملايين وهم أكثر من مليار ولكنهم ضعفاء. فالأفضل التركيز علي جوهر الإسلام وهي القيم والعمل والانتاج والقوة الحقيقية وليس مجرد العدد الضعيف. فالمسلم القوي خير وأحب إلي الله من المسلم الضعيف ونحن الآن رغم الكثرة العددية فإننا غثاء كزبد البحر لا قيمة حقيقية للملايين. إن المطلوب ان ينشغل المسلم الحق بمفاهيم الإسلام الصحيحة والمفيدة وليس بالقشور الشكلية.
السادسة: أنه بالإضافة للمنطلقات والتوجهات الجديدة الإيجابية التي نرحب بها بشدة فإن هناك رجاء اضافيا ومهما وهو ضرورة الحزم في تطبيق القوانين ومعاقبة كل مسئول يخل بذلك ولا يجب ان يكون هناك عضو برلمان أو قاض أو وزير فوق القانون فالحصانة فقط للتصرف المرتبط بالعمل وليست أمرا دائما وفكرة البرلمان سيد قراره والقضاء فوق القانون والقضاء البطيء هو ظلم وإهدار للحقوق والعدالة الناجزة هي العدالة الصحيحة. وهناك قضايا في المحاكم تبقي عشرات السنين وهذا لا يمكن قبوله في مصر وعصرها الجديد لأنه غير موجود في أي دولة ديمقراطية.
إن البيروقراطية والإهمال والرشاوي والفساد اصبحت ظاهرة في التعليم والصحة بل وفي بعض الوزارات المسماة بالوزارات السيادية وفي الصحافة والإعلام والثقافة حيث جوائز الدولة التقديرية للإنجاز العلمي تعطي لكبار المسئولين اثناء وجودهم في مناصبهم ولهذا تدهورت مصر بخدماتها وتعليمها وابحاثها وسياساتها لأن الأمور استندت لغير اهلها من ذوي المحسوبية والنسب بعد أن كانت مصر دولة رائدة. وتقدم الآخرون الذين ونحن كمصريين إذ نرحب برئيس الوزراء في العصر الجديد وبالوفد المرافق له فإننا نتطلع لعودة مصر سريعا لحالة الاستقرار والنظام ووضع المسئولين حسب كفاءتهم ومحاسبتهم أولا بأول وأن تأخذ مصر بالمنهج العلمي في السياسة الخارجية والداخلية والاقتصاد والاجتماع والثقافة وغيرها وهذا سوف يعيد لمصر مكانتها العربية والدولية.
نكرر التأكيد علي أهمية الحزم في تطبيق القانون وان يعاقب بشدة كل من يخرج علي القانون ويمس بالوحدة الوطنية للشعب فهذا هو طريق الخروج من الازمات المتلاحقة والتي تدفع بها قوي الثورة المضادة وقوي التخلف الفكري والثقافي لإحباط الثورة البيضاء وسجلها المشرف حتي الآن. انه من المهم للغاية ان تأخذ المؤسسات دورها فجهاز الأمن الوطني والشرطة ينبغي ألا يخشوا الحساسية المفرطة من المواطنين التي برزت في فترة الثورة لأن دورهم مطلوب ومهم ولابد ان كل مواطن شريف يساعدهم في أداء واجبهم لمصلحة المواطنين جميعا ولمصلحة المجتمع دون تزيد أو اساءة استخدام السلطة كما كان يحدث في العهد الماضي.