هيثم عبد الحميد النخبة بين احتكار الديمقراطية واحتقار إرادة الشعب

هل يعرف أحدكم معنى للديمقراطية تقتصر بمقتضاه على فئة بعينها؟ هل تصدق عزيزى القارئ أن شعبنا الحبيب لا يعرف شيئاً عن الحرية ولا يعرف كيف يختار من يدير شئونه؟ هل هناك من لا يزال يعتقد أنه وصى على الشعب الذى هو "يا حرام" "لسه صغنن" لا يعرف مصلحته؟ تخيل قارئنا الحبيب أنه فى مصرنا الحبيبة الآن، وبعد أن قام الشعب بثورته، مازال هناك أوصياء يطلقون على أنفسهم "النخبة" يعتقدون ذلك!

فقبل الثورة كانت الديمقراطية – كما يراها النظام السابق - هى حرية "الرغى" والكلام – شرط ألا يكون لهما تأثير ـ وارتضت "النخبة" حينها ذلك، وأرهقتنا فى جدل ليس وراءه طائل حول اللحية والحجاب، والدولة الدينية والدولة المدنية، بينما كنا نعيش فى الدولة "المهلبية" التى يحيطها الفساد من كل جانب، وظلوا يصورون لنا الفزاعات الوهمية ويخاطبون أنفسهم بين صحفهم وبرامجهم عن هذا الشعب الذى لم ولن يتحرك أبداً، وكيف أن الشعب المصرى بطبيعته مستسلم، لا يخرج أبداً عن حاكمه.

وعندما قامت الثورة شاهدنا تلاحماً واحتراماً بين التوجهات الفكرية المختلفة، وحدث توافق على معنى الديمقراطية الحقيقى، واستبشرنا خيراً بأن الجميع، أدرك أخيراً، مدى وعى هذا الشعب، وأنه بحق هو "نخبة نفسه"، ويعرف حقاً ماذا يريد وله إرادة من فولاذ، وأنه ليس هناك بين أبناء الشعب مفزعون ينبغى إقصاؤهم، كما كان يرى النظام السابق.

وظل الأمر هكذا إلى أن بدأت أول ممارسة فعلية للعملية الديمقراطية، وكان الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذى شهد إقبالاً تاريخياً، وكان أول اختيار حر للشعب بأن قبل تلك التعديلات المقترحة.. بعدها حدث ما لم أكن أبداً أتوقعه، وفجأة صوروا لنا الشعب على أنه ليس لديه قناعات فكرية أو إرادة أو رأى فى مستقبله، وأنه مجموعة من البسطاء الذين صدقوا "مشايخ الظلام من على خيولهم" بأن من يقول نعم يدخل الجنة.

تخيلوا هذه السذاجة.. فهذا الشعب لم يكن يريد الاستقرار، ولم يكن يريد مجلس شعب يأتى بانتخابات حرة ونزيهة بمراقبة قضائية كاملة، ولم يكن يريد تحديد فترة الرئاسة وإتاحة الفرصة أمامه للاختيار بين عدة مرشحين..

هذا الشعب لم يكن يريد إلغاء الطوارئ، وتدوير عجلة الاقتصاد، ولم يكن يدرك أن بداية الأمن تكون بعودة المؤسسات خاصة التشريعية منها وفقاً لاختياره الحر.. هذا الشعب لم ير فى هذه التعديلات خارطة طريق محددة الأهداف والمعالم والتوقيت، لانتقال سلس نحو الحرية والإنتاج وعودة الحياة التى يستحقها المصريون، لم يكن للشعب رؤية لإدارة المرحلة.. فقط هذا الشعب "المسكين الغلبان يا عينى" و"المغلوب على أمره"، زهد الحياة بعدما ذاق طعم الحرية وأراد أن يقول نعم ثم يذهب ليلقى ربه!

أى امتهان هذا! وأى تحقير لإرادة الشعب! هل يمكن أن نضرب برأى الأغلبية عُـرض الحائط لمجرد أنهم خالفوا ما يريده من يرون أنهم "نخبتنا"، وما هذه المقترحات التى تتردد فى "مكلمات التوك شو"؟! هل هناك حقاً من يريد تأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى وقيام "جمعية تأسيسية" بإعداد دستور وتشكيل مجلس رئاسى... أى ديكتاتورية هذه! وأية مصادرة لرأى الشعب!

ثم من هم أعضاء هذه الجمعية التى ستشكل الدستور؟، وكيف سيتم اختيارهم؟ هل سيتم تعيينهم من قبل "النخبة"؟ هل سيتم إقصاء الغالبية التى قالت نعم فى الاستفتاء؟ وكيف ستشعر هذه الغالبية حينئذ؟ كيف ستشعر؟ وهناك من يريد إقصاءها عن مشهد بلادها ويبعدها عن المساهمة فى صنع مستقبله؟ ومن هم أعضاء المجلس الرئاسى، وكيف سيتم اختيارهم؟ وإلى متى ستؤجل الانتخابات؟ وكيف ستستعد الأحزاب الأخرى؟ ومن يمنعها من الاستعداد؟ فلا مضايقات أمنية ولا هم يفتقدون للدعم الإعلامى؟.. والسؤال الأهم ماذا لو كان الشعب رفض التعديلات ونجحت حملات "لا" التى ملأت الفضائيات والصحف؟

وإذا كان الحال هكذا.. لماذا لا تعقد الانتخابات، ويحترم اختيار الشعب، وسيكون لدى الأحزاب حينها خمس سنوات كاملة يكونون فيها برامجهم وينزلون إلى الناس فى الشوارع دون استعلاء، وحينها يحدد الشعب أيضا ويختار ممثليه.

يا نخبتنا، الشعب لم يعد يصدق الفزاعات، ويا حكومتنا استجيبى لغالبية الشعب ولا تلتفتى للأصوات العالية