الإخوان ولعبة السياسة بقلم حسن نافعة

كنت، ومازلت، أنظر إلى «جماعة الإخوان المسلمين» باعتبارها قوة سياسية مهمة، وليس بالضرورة القوة الأهم أو الأكبر أو الأكثر تأثيراً فى مسار الحياة السياسية فى مصر. كما كنت، ومازلت، أعتقد أن أى محاولة لاستبعاد «الجماعة» من الجهود الرامية لتأسيس نظام سياسى ديمقراطى فى بلد عظيم كمصر لن تخدم هذا الهدف النبيل والأسمى، ولن يكون لها من نتيجة سوى تأبيد حالة الاستقطاب السياسى المصطنعة والقائمة منذ فترة، وهى الحالة التى لم تكف عن إفراز سمومها فى جسد الحياة السياسية وتغذية أسباب عدم الاستقرار الذى يمهد الطريق دوماً لمجىء الحاكم المستبد والفاسد.

وكان تقديرى، انطلاقاً من هذه الرؤية، أن حال الحياة السياسية والحزبية فى مصر لن ينصلح إلا إذا تمكنت الحركة الوطنية بكل تنوعاتها، بما فيها الجماعة، من الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية وعلى طريقة إدارتها والاحتكام فى النهاية إلى صناديق الانتخاب للفصل بين المتنافسين على ساحتها. وقد عكست كل كتاباتى ومواقفى، سواء على الصعيد الفكرى من خلال موقعى كباحث وكاتب صحفى، أو على الصعيد السياسى من خلال موقعى كـ«منسق عام للحملة المصرية ضد التوريث» ثم لـ«الجمعية الوطنية للتغيير» بعد ذلك - التزاماً صارماً بهذه الرؤية.

لا أريد أن أمنّ بكتاباتى المتحدية للنظام السابق، وهو فى عز صولجانه، دفاعا عن رموز الإخوان التى تم الزج بها، ظلماً وعدواناً، فى غياهب السجون، فلم أقم بذلك حباً فى الجماعة وإنما التزاماً بمبدأ، وهو نفس المبدأ الذى دفعنى لشن هجوم ضار على أجهزة الأمن، وهى فى عز صولجانها أيضاً، بسبب إقدامها على تعذيب سيد بلال حتى الموت ومحاولة تلفيق تهمة تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية له، فلم أقم بذلك حباً فى السلفيين وإنما التزاماً بنفس المبدأ، وكان حرصى على استمرار تفاعلهم الحى مع بقية الفصائل المعارضة للنظام هو ما دفعنى لكبح جماح المحاولات الرامية لتهميشهم وعزلهم داخل حملة «ضد التوريث» ثم «جمعية التغيير»، وبسبب مواقفهم المراوغة أحياناً تحملت هجوماً ضارياً شنه علىَّ نائب رئيس حزب الوسط، المدفوع دوماً بتصفية حسابات تاريخية مع الجماعة، الذى اتهمنى بأن الجماعة استغلت «طيبتى»، يقصد طبعاً سذاجتى وقلة حيلتى وخبرتى بالعمل السياسى، لفرض هيمنتها على «الجمعية الوطنية للتغيير»، وتحملت الإساءة حرصاً على وحدة الحركة الوطنية المصرية، التى ظللت أؤمن دوماً بأن أى فصيل فيها لن يتمكن من إحداث التغيير بمفرده، غير أننى أعترف بأن الكيل طفح، وأن صبرى الآن قد نفد.

لا أظن أننى أبالغ إن قلت إن الأداء السياسى للجماعة، الذى اتسم بالغموض فى بعض المواقف ولم يكن بنَّاء فى مواقف أخرى كثيرة خاصة بعد الثورة، أصبح الآن مستفزاً ومخرباً وخطراً على الثورة، بل يهدد بالضياع فرصة حقيقية تتيحها ثورة 25 يناير لتأسيس نظام ديمقراطى حقيقى فى مصر. وتلك جريمة يتعين أن يتحمل كل من يتسبب فى وقوعها مسؤوليتها كاملة أمام التاريخ، ولا أظن أننى فى حاجة للتدليل بأمثلة على ما أقول، ويكفى أن نسترجع موقف الإخوان من مظاهرة يوم الجمعة الماضى، وإعلامها الرسمى الذى كذب صراحة على الناس لتحقيق أغراض دنيوية ومكاسب سياسية لا علاقة لها بالإسلام ولا بأى دين، كما يكفى أن نسترجع تصريحات الدكتور صبحى صالح، الذى أعترف بذكائه وخُلقه وبراعته كرجل قانون، التى طالب فيها رجال الإخوان بعدم الزواج إلا من الأخوات، لندرك عمق النزعة الفاشية المتأصلة داخل بعض أجنحة التنظيم الإخوانى.

أرجو ألا يعتبر البعض هذه الكلمات وكأنها بمثابة إعلان من جانبى بالموافقة على الاصطفاف إلى القوى المعادية للإخوان فى مصر، فأنا أدرك أنه أولى ببعض من ينتقدون الإخوان أن ينتقدوا أنفسهم ذاتياً، أو تأييداً لحالة استقطاب كنت ومازلت أقف ضدها وأبذل كل ما فى وسعى لإجهاضها، لكنى أرجو أن تكون كلماتى هذه، وهى كلمات مخلصة لا تستهدف سوى إعلاء المصالح المصرية العليا، بمثابة جرس إنذار أتمنى أن يصل إلى سمع الجماعة لتنبيهها بأنها على وشك أن تفقد كل الذين راهنوا يوماً ما، وأنا واحد منهم، على إمكانية تطورها لتصبح جزءاً من الحركة الوطنية المصرية وتتخلى عن أحلامها فى الهيمنة عليها أو ركوب موجتها، كما أرجو أن تتحلى الجماعة بما يكفى من الشجاعة للاعتراف بأن ما جرى فى ميدان التحرير يوم الجمعة الماضى كان ضرورياً ويعبر عن قمة الوطنية وجاء فى وقته تماماً، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مصر العميقة أكبر من أى فصيل، وأن مصر، هذا البلد العظيم الذى صنع ثورة 25 يناير، يمكنها فى أى وقت الاستغناء عن أى طرف لا يضع مصالح مصر العليا فوق مصالحه الفئوية الضيقة.