صنع الله إبراهيم: موسى لا يصلح للرئاسة لأنه أحد رموز النظام القديم والبسطاويسى أصلح المرشحين

فى روايته الأحدث "الجليد" الصادرة عن دار الثقافة الجديدة، والتى انفرد "اليوم السابع" بنشرها مسلسلة قبل صدورها، يسترجع الروائى الكبير صنع الله إبراهيم، تجربة عاشها بطل الرواية عام 1973، قبل وأثناء اندلاع حرب أكتوبر، لكن بقدر ما كان هذا الحدث مؤثرا، فى تاريخ المصريين، إلا أن صنع الله إبراهيم، لم يتوقف عنده كثيرا فى الرواية، ومر عليه مرور الكرام، يؤكد إبراهيم، أن أكتوبر لم تكن معركة السادات، وأنه من فتح الباب للنظام الرأسمالى العالمى بالسيطرة على ثروات العرب، والتحكم فى المصريين ومن بعده مبارك، الذى دمر الاقتصاد المصرى، ومن المفاجآت الأخرى التى يفجرها صنع الله إبراهيم، برؤيته التى امتدت لثلاثة عصور، أن كيسنجر وأمريكا، اتفقا مع السادات على الحرب، وتقييمه للثورة المصرية، بأنها عظيمة، وأنها كانت أقل خطرا، من وقوع انقلاب عسكرى، أو انفجار فى العشوائيات، لكنها حتى الآن، لم تحقق ما حققته ثورة لينين عام 1917، ويرفض صنع الله إبراهيم تولى المشير طنطاوى منصب رئاسة الجمهورية، على غرار شارل ديجول فى فرنسا، كما يرفض ترشيح عمرو موسى لكونه أحد رموز النظام القديم، ويرحب بتولى المستشار هشام البسطاويسى، لأنه أبرز المعارضين لعصر مبارك، ويدعو لمجلس رئاسى يتكون خلال هذه الأيام، للمرور بمصر من مرحلتها الانتقالية، وكان هذا الحوار:

تفتتح روايتك الأحدث "الجليد" بكلمة تقول "موسكو 1973"، لماذا عدت فى هذه الرواية إلى هذا الزمن؟
لأن الوضع السائد قبل ثورة يناير، هو السبب فى عودتى لهذه التجربة السوفييتية، حيث كنت أشعر بحالة من اليأس والإحباط، وفى روايتى "شرف"، و"ذات"، اللتين أعتبرهما نداء للثورة، قمت بتحليل أسباب الفساد، وقلت فيهما كل ما أرغب قوله، وهناك دائما موضوعات عند الكاتب مؤجلة، ومن هذه الموضوعات، رواية "الجليد" وشعرت أن الوقت ربما يكون مناسبا، لأننى قلت كل ما يمكن قوله، بالنسبة للموضوعات الآنية.

لو قامت الثورة مبكرا، قبل كتابتك "للجليد"، هل كان من الممكن أن تكتبها فعلا؟
أشك، لأن الثورة شحنتنى بحالات أخرى، وربما كان من الصعب أن أسترجع هذه التجربة السوفييتية، خصوصا وقد مر عليها سنوات كثيرة.

البعض يرى أن أحداث "الجليد" لا تحمل حدثا جللا، رغم أنك بدأتها بعام 1973، ورغم ما يحمله هذا العام من مدلولات، لكن هذا لا يبدو واضحا فى الرواية؟
الرواية بانوراما للحياة اليومية فى موسكو، عام 1973، وما تتخلله من تفاصيل الحياة الاجتماعية، والعاطفية، والاقتصادية، والجنسية إذا أردت أن تسميها، وهذه فكرة مشروعة لأى كاتب، أن يقدم هذه البانوراما، وردا على فكرة أنه لا يوجد حدث جلل فى الرواية، أنا أرى أنه ليس ضروريا أن يكون هناك حدث جلل، وهناك أعمال روائية كثيرة تتناول حياة عادية، وأحيانا يكون هذا هو اسم الرواية، لكن فى "الجليد" حدث جلل فعلا، لأن بها تحليل واستعراض للحياة الجنسية، لعديد من الشباب، فى مكان معين، وزمن معين، وأبرزت بعض الجوانب وأهمها، أن هناك شخصا "دون جوان" يعيش ويمارس هذه "الدونجوانية" مع العديد من الفتيات، لكننا نكتشف فى نهاية الرواية، أنه "شاذ"، وهذا طبعا حدث جلل.

بمناسبة ثورة لينين، كيف ترى وضع ثورة يناير بين الثورات الأخرى الفرنسية والروسية؟
خروج الناس بالملايين، كما رأينا، هو الشكل الذى يصح وصفه بالثورة، وفى تظاهر سلمى، وفى مطالبة بتغيير النظام وإسقاطه، وهذا حدث بشكل مختلف فى ثورات أخرى، مثل الثورة الفرنسية، التى أخذت طابعا دمويا، بسبب حدة المقاومة هناك، وهنا المقاومة لم تكن قوية، رغم ارتفاع عدد الضحايا إلى 846، والحمد لله أن الجيش أدرك، ضعف مبارك، وأن القمع المسلح الدموى، لن يجدى، وهناك أشياء لا نعرفها بعد، مثل، هل كان هناك معارضة داخل الجيش، وأركان النظام أنفسهم، كانوا يشتبكون مع بعضهم فى معارك، كنا نسمع أطرافا منها.

لكن هناك فارق كبير بين ثورتنا، وثورة لينين، التى كان لها عدة زعماء، على رأسهم لينين، وهو ما نفتقده نحن، كما كان لينين جاهزا ببرنامج واضح، أما نحن، فليس لدينا سوى عناوين، مثل حرية وتغيير وعدالة اجتماعية، وهناك أشياء حدثت فى الثورتين الفرنسية والسوفييتية، ولم تحدث عندنا، مثل العنف الشديد الذى قامت به فئات من الثورة المضادة، والصراع الشديد الذى تطور، وتمخض عن حدوث "إعدامات" وحتى الآن لم يحدث ذلك عندنا، لكن من الممكن أن يحدث.

هناك مواضع فى الرواية، لم تستطع أن تتجاهل فيها التأكيد على خطورة الدولة اليهودية، رغم أن هذا الرأى تكرر قبل صدور "الجليد"؟
أى عمل روائى، هو بناء، يتكون من "طوبة فوق طوبة" وإحدى ذروات الرواية، كانت "حرب أكتوبر"، فالإشارة لخطورة إقامة إسرائيل، هى عتبة، يجب أن تسبق حرب أكتوبر.

لكن حرب أكتوبر لم تكن حدثا كبيرا فى الرواية، ولم تكن الحرب ظاهرة بقدر التشكيك فى هذه الحرب؟
لاحظ أن بطل الرواية، يعيش بعيدا عن مصر، فالأحداث، كانت خافتة، بخلاف ما يكون البطل موجودا داخل مصر، كما أن الشىء الغالب على مشاعر البطل، دهشته الشديدة، من قيام هذه الحرب، رغم ما أحاط بها من مؤشرات، تقول إن السادات الذى ربط نفسه، بعربة الاستعمار الأمريكى، لا يمكن أن يقوم بهذه الحرب، كما أن هناك إشارة إلى ما حدث فى الثغرة، والتى أكد سعد الدين الشاذلى فى مذكراته، أن السادات مسئول عن مأساة هذه الثغرة، ثالثا نتائج هذه الحرب.

هل تتعمد نزع أى بطولة عن السادات داخل الرواية، وأن عبور القناة نال الضوء الأخضر من أمريكا، هل قصدت أن تقول إن حرب أكتوبر كانت تمثيلية؟
الحرب لم تكن تمثيلية، لكن خطتها لم يضعها السادات، وإنما وضعها عبد الناصر، والسادات كان يناور، مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتاريخ سيكشف دوره، ومعروف أن السادات كان وكيل أعمال أمير الكويت فى مصر، وكان على علاقة جيدة جدا بالسيد كمال أدهم رئيس المخابرات السعودية، وكان ضابط الاتصال بين المخابرات السعودية، والأمريكية، وبالتالى علاقة أنور السادات بالولايات المتحدة وعملائها فى المنطقة ليست جديدة، كما أنه أقدم على خطوة تمثل تقربا شديدا جدا للولايات المتحدة، وهى طرد الخبراء الروس من مصر، فكيف يحارب بسلاح، ويقوم بطرد أصحابه.

هل تقصد أن منع البترول لم ينقذ الحرب، ولم يكن فى صالح مصر وقتها؟
ربما كان ورقة ضغط وقتها، لكن من قام بها "عملاء الأمريكان" ومنهم الملك فيصل، ولا أحد ينكر أنه كان عميلا للأمريكان، وهو أحد الأسباب فى كارثة إنقاذ النظام الرأسمالى، فالسعوديون والخليج، بدلا من أن يستخدموا هذه الأموال فى بناء المنطقة اقتصاديا، صرفوها على أشياء ظاهرية، وأودوعوها فى البنوك الغربية، ولا أستبعد أن يكون "كيسنجر" خلف هذه العملية، التى أدت فيما بعد إلى تغيير كامل فى وضع المنطقة، وأدخلتنا فيما عرف بعد ذلك فى مرحلة الانفتاح، وغزو الشركات الأمريكية والغربية، والذى اكتمل بعد ذلك بالإصلاحات الاقتصادية "اللى عاوزها" البنك الدولى، وإلغاء القطاع العام، وشراء أصول الصناعة المصرية.

ألم يتسبب مبارك فى كل هذا؟

طبعا يٌسأل عنها مبارك، لكن السادات أول من فتح الباب لذلك، ثم لماذا جاء مبارك؟ لأن السادات "مش قادر ينفذ هذه السياسات بسبب عصبيته، ونرجسيته، حتى أنه اعتقل جميع الأطياف فى سبتمبر، طبعا كان يجب إزاحة السادات، وهو ما يضع علامة استفهام كبرى حول اغتياله، فكيف انسحب حرسه المدرب والذى كلف الدولة 3 ملايين دولار فى أمريكا، من المنصة، وتتاح فرصة اغتياله، فقط، دون المحيطين به، وأبرزهم مبارك، والذى جاء رئيسا بعد ذلك.

هل كنت تتخيل لمصر هذه الثورة الشعبية، أم تخيلت أن عصر مبارك سينتهى بانقلاب عسكرى؟
حقيقة لم أكن أتوقع أن يحدث ما حدث، كنت أشعر أن مصر مقبلة على انفجار فى العشوائيات، يلتهم اليابس والأخضر، بدون قيادة سياسية، أو أفق سياسى، أو انقلاب عسكرى، لأنى والكثيرون، كنا نتساءل، الجيش فين، وناوى يعمل إيه، وهل سيقبل جمال مبارك رئيسا أم لا؟.
هل ترى أن حسم الثورة بهذا الشكل، يرجع الفضل فيه للجيش؟
طبعا لا، الفضل فى حسم الثورة بهذا الشكل، للناس، التى خرجت بالملايين، هؤلاء هم الذين دفعوا الجيش للموقف الذى أخذه، وأدى إلى تنحى مبارك، وواصلت الضغط على السلطة، والجيش، حتى يسارعوا إلى القبض على الفاسدين، ومحاكمتهم، طبعا الفضل للناس، الذين واصلوا ضغطهم، وأصروا على استمرار التحقيق فى الفساد.

جمال عبد الناصر، والسادات وحسنى مبارك، كيف ترى كلا منهم بعد انتهاء عصورهم؟
جمال عبد الناصر رغم ديكتاتوريته، كان شديد الإخلاص لمصر، وللقومية العربية، وكان هذا الإخلاص يدفعه دائما إلى محاولة خدمة المصريين، وتحقيق الاستقلال، ورفع مستوى المعيشة، والعدالة الاجتماعية، والتصنيع، وتعرضه لـ"1967" كان لإجهاض هذا المشروع الكبير، أما السادات ومبارك، فهما جزء من النخبة التى تتشرف بعلاقتها بأمريكا.

هل يصلح المشير أن يكون رئيسا؟
المشير هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهذا هو دوره الوطنى، ومهمته الوحيدة الدفاع عن أرض مصر، وليس له علاقة، أو خبرة، بإدارة شئون مصر، وهذه يجب أن تكون مهمة مجموعة من الأشخاص، المدنيين، ومعهم عسكريون، وأن يشكلوا ما يسمى "المجلس الرئاسى"، حتى نتجنب الوقوع فى فخ، عبادة "الفرد" التى عانينا منها طوال الفترة الماضية.

هل تظن أن المجلس الرئاسى هو الشكل الذى يجب أن يكون عليه نظام الحكم فى مصر؟
لا، الآن فقط، ونحن عندنا مئات الأشخاص، الذين يصلحون أن يكونوا رؤساء جمهورية، قضاة، وطلبة، وشباب، واحد زى وائل غنيم، وهذه ليست قضية، المهم أن نضع الضمانات الديمقراطية، ومنها المحاسبة أمام البرلمان، والمدة الواحدة للرئاسة، وهى تكفى، والنظام البرلمانى، وليس الرئاسى، والانتخاب بنظام القائمة النسبية، وحرية تكوين الأحزاب، وحرية إصدار الصحف، وهى كلها عوامل تدعم وجود الرقابة على الدولة.

ما رأيك فى عمرو موسى وترشحه للرئاسة، رغم عمله مع الرئيس السابق ومن فى رأيك أصلح للرئاسة من بين المرشحين؟ البرادعى أم البسطاويسى؟
عمرو موسى رمز من رموز النظام القديم، وأنا شخصيا أرى أن هشام البسطاويسى، أصلح من يتولى رئاسة الجمهورية، لأنه قاض، وخاض مع زكريا عبد العزيز، عمليات الاحتجاج فى وقت مبكر جدا، ضد مبارك، كما أنه متزن، وعاقل، لكن أؤكد، أن الرئيس القادم لن يستطيع الانفراد بالحكم، إذا وضعنا آليات رقيبة عليه، وتحد من جموحه.

هل تخشى السلفيين؟
ما بدر منهم حتى الآن يدعو للخوف، ومن ذلك الدعوة لتطبيق الحدود، وهدم الأضرحة، فتطبيق الحدود، مسألة مرتبطة بفترة معينة، ونظام معين من الحكم، وإذا كان النظام لا يحقق أى عدالة، فلا يمكن تطبيق الحدود.

وهل تظن أن السعودية تدعم السلفيين فى مصر؟
"آه طبعا" مش عاوزه مناقشة، فالسعودية كانت تخصص مبالغ مالية للأزهر، للشيخ عبد الحليم محمود فى عهد السادات، تحت مسمى "مكافحة الشيوعية".