حسن يونس أنفق مليار جنيه علي دراسة إنشاء مشروع الضبعة لتمرير سيناريو التوريث

ما يجري في العديد من القطاعات داخل الدولة، وأبرزها الهيئات البحثية في المجال الاستراتيجي يشير بوضوح إلي أن الفساد متعمد، أي بفعل فاعل، وأن هذا الفساد له ثقافة وتقاليد ومعايير، ومن يجتازها قادر علي البقاء بقوة في صدارة المشهد في العديد من المواقع المهمة ذات النفوذ، فمن بين تلك المعايير القدرة الفائقة في غسيل اليدين من الفضائح وإغلاق الملفات بصورة متقنة حتي لو ارتبط الأمر بمئات الملايين من الجنيهات أو بالمستقبل السياسي لهذا البلد وأجياله.

ومن هنا سادت المفارقات الغريبة داخل العديد من المؤسسات التي يسيطر عليها المحظوظون، عندما يتم الكشف عن إحدي الوقائع يتم إغلاق الملف «ويا دار ما دخلك شر» وهذا هو السر الكامن في ما وصلنا إليه من تراجع والانطلاق إلي الوراء، أقصد الدخول بقوة إلي مجاهل التاريخ وعصور التخلف!

ما إن تناولت «صوت الملايين» في عددها الماضي الفوضي التي تجتاح هيئة الطاقة الذرية، والابقاء علي المفاعل الذري الثاني كمشروع، لتسهيل عمليات صرف المكافآت، والانفاق دون رقابة أو متابعة حتي انفجرت الأحداث، وتلاحقت وتيرتها بصورة تدعو للالتفات، وربما جاء ذلك لإغلاق الملف، خاصة أن الأمر ارتبط بوقائع كثيرة في مقدمتها عمليات التستر علي وقائع ترقي إلي مستوي التجسس والافشاء عن معلومات سرية دون علم قيادات هيئة الطاقة الذرية أو الوزير المختص حسن يونس.

تلاحق الأحداث يشير إلي محاولات إغلاق جميع الملفات التي عرفت طريقها إلي وسائل الإعلام، ومكتب النائب العام، وامتد صداها إلي المجلس العسكري الذي يدير شئون الدولة.

صدي ذلك كله خرج بالكثير من المفارقات، أبرزها أن الدكتور محمد القللي رئيس هيئة الطاقة الذرية أراد الخلاص من الانتقادات والاتهامات المتتالية ضد سياساته، فعقد اجتماعاً مع مجلس إدارة الهيئة وتوصلوا جميعاً إلي قرار غاية في الخطورة، وهو البدء في تشعيل المفاعل البحثي الثاني بأنشاص، والمعروف بالمفاعل الأرجنتيني.

جاء القرار للتخلص من الانتقادات الموجهة لحسن يونس، ففتح باب الاتهامات علي مصراعيه، لتطال الجميع لا فرق بين كبير أو صغير، لأن ذلك هو مفتاح الطريق إلي العبث، حيث رفضت وبقوة هيئة الأمان النووي التي تضم في صفوفها باحثين وخبراء مرموقين علي المستويين المحلي والدولي تشغيل المفاعل لاعتبارات علمية وموضوعية، فالأمان النووي يطبق قوانين الدولة الخاصة بالبيئة، وكذلك القوانين الدولية الخاصة باشتراطات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إجراءات تشغيل المفاعلات الذرية والمحطات النووية.

ارتبط الرفض بتشغيل المفاعل بالعديد من الأسرار التي نوردها رغم التعتيم عليها من جميع المسئولين بوزارة الكهرباء، وهي عدم استيفاء هيئة الطاقة الذرية الشروط المصرية والقواعد الدولية لكن حسن يونس ضرب بذلك عرض الحائط في سبيل تمرير القرار الذي اتخذه محمد القللي ورجاله، ومعظمهم غير متخصصين للبت في مثل هذه القرارات المصيرية.

إن المحاولات المستميتة لتشغيل المفاعل رغم مخالفته قواعد التشغيل لإيجاد ذريعة ومبررات لما تم صرفه من مكافآت علي مشروعات لا تعمل والخروج ببطولة أمام الرأي العام.

ولم يعد سراً أن مثل هذه المفارقة لا تبتعد كثيراً عن مفارقات أخري هي جزء رئيسي في ما وصلت إليه البلاد من فوضي وخراب، فالوزير حسن يونس ظل يتجاهل جميع الاتهامات الموجهة إلي مرءوسيه التي كانت ترد إليه سواء عن طريق تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات أو الشكاوي وجميعها يفيد بوجود حالات تربح وإهدار للمال العام في العديد من الشركات والقطاعات التابعة لوزارة الكهرباء، وبعد ثورة 25 يناير لم يتغير المضمون ولكن تغير الشكل فقط، من خلال إصدار بيانات بعدم التستر علي الفساد، والضرب بأيد من حديد علي الفاسدين بينما في واقع الأمر لا توجد إجراءات عملية، فهو لم يتقدم بإحالة مسئول إلي جهات التحقيق ولكنه يقوم بابعاد المسئول ويتم تعيينه مستشاراً، هي بالضبط ذات السياسة الخاصة بنظام مبارك البائد ورجاله بالحزب الوطني. والقراءة المتأنية، لما يحدث في مصر الآن تذهب بنا إلي أن الثورة لم تتخلص تماماً من النظام السابق.

ووزارة الكهرباء هي الملاذ الأخير لاستعادة قبضة النظام السابق ورجاله علي السلطة من جديد، فوزير الكهرباء حسن يونس، هو الوحيد الباقي من نظام مبارك والحزب الوطني، ظل وزيرًا عشر سنوات، حتي قيام الثورة ثم بقي في وزارة أحمد شفيق، وأخيرًا وزارة عصام شرف.. وهو ما يدفع للسؤال الأكثر أهمية أثناء تناول ما يجري في وزارة الكهرباء وقطاعاتها وهيئاتها.. هل حسن يونس أقوي من مبارك؟ وتأتي أهمية التساؤل لأن الطابور الخامس ما زال يعمل بنفوذه القديم.. الفساد ذاته.. والمعلومات المتسربة تفيد بأن الأمور تجري، وكأنه لا توجد ثورة ولا غيره.

يأتي هذا متزامنًا مع الأحاديث المشتعلة عن تورط بعض رجال الحزب البائد، بالمشاركة في موقعة «الجمل» وقتل المتظاهرين، فمن بين المعلومات التي وردت من مصادر، وجري نشرها دون تكذيب أو توضيح من حسن يونس، خاصة بإرسال أتوبيسات بعد صدور تعليمات من شركات تابعة للوزارة للخروج ودعم حسني مبارك، وقد جري الإفصاح عن أرقام الأتوبيسات 156 م.ل.د ــ 739 ط.ل.د ــ 219 ج.ل.د.

وهي التي نقلت موظفي البترول، هي ذات الجريمة التي اتهمت فيها وزيرة القوي العاملة، لكن لا أحد تحدث عن مسئولي وزارة الكهرباء أو اتهامهم، رغم تناول الصحف مثل هذه المعلومات الخطيرة، وعدم تحرك الوزير بالنفي لما تردد.

نتفهم كما يتفهم غيرنا، فكرة الولاء للنظام السابق من بعض رموزه ورجاله.. وهذا يحسب لمن يقوم به.. لأنه يؤكد بدأ الوفاء.. لكن الذي لا يمكن قبوله.. هو الاستمرار في عهد جديد، عهد تقوم سياساته، علي إلغاء عبث الماضي والانتقال إلي ما هو أفضل.

إن فصول الكوارث لم تتوقف عند حدود ذلك، فهناك أمور خطيرة، الصمت عنها جريمة، في مقدمتها إن حجم الفساد في وزارة الكهرباء بلغ 12 مليار جنيه، خلال السنوات العشر الماضية، بالإضافة إلي توقف مشروعات بـ65 مليون جنيه.. هذه المعلومات المستفزة وردت في تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات، ولم يتحرك أحد.. وكأن ملاحظات الجهاز الرقابي تخص وزارة أخري في بلد آخر، خاصة أن الأمور وصلت إلي أبعد من ذلك في التقارير الرسمية، منها مشروع «الضبعة» الخاص بتوليد الكهرباء من الطاقة النووية.

هذا المشروع الذي يمثل لغزًا يحتاج إلي خبراء في فك الطلاسم والألغاز، فالمشروع تم إعداده للدراسة.. وانتهت الدراسات الخاصة بتحديد موقع المشروع عام 1986، ولم يتحدد المكان، نظرًا لغياب الإرادة السياسية لتنفيذ المشروع، وأنفق علي هذه الدراسات عدة ملايين من الدولارات، ذهبت لشركة «سافر تون» الفرنسية، وأوقف مبارك المشروع، بعد حادث تشيرنوبل، وعندما أراد جمال مبارك اكتساب شعبية تهيئ له القفز علي كرسي الرئاسة من خلال تلميع نفسه أعيد فتح الموضوع الخاص بالمشروع النووي مرة أخري.

فقرر حسن يونس مرة أخري طرح الأمر أمام الشركات الاستشارية، لتحديث الدراسات واختيار المكان الملائم، وتقدمت عدة شركات بينها «باكتل» الأمريكية، ووضعت شروط إضافية لصالحها، فتم رفضها من الناحية القانونية والرقابية، لأن «بكتل» تسهم في إحدي الشركات التي يعمل بها ابن حسن يونس، لكن بعدها تم الاستعانة بشركة استشارات استرالية «بارنز أندوسيلي»، واختارت موقع الضبعة.. لكن المتابع لما يجري يجد أن الدراسات القديمة، اختارت نفس المكان، لكن يبدو أن إرضاء جمال مبارك، وتسهيل مهمة وصوله للسلطة، أهم من الدراسات والمال العام معاً، فالشركة الاسترالية حصلت علي موافقة القيام بالدراسات، مقابل 900 مليون جنيه.

جميع تلك التصرفات تحتاج إلي وقفة وتدخل عاجل لحماية المال العام من العبث، والاختراعات التي نملك في مصر براءتها، فالمعروف أن النظام الفاسد، هو الذي اخترع أساليب النهب المنظم، وتحقيق ثروات تحتاج إلي صبر أيوب في حصرها أو رصدها، فهي جميعًا جاءت نتيجة لفرض إتاوات علي الشركات التي تعمل في محيط دائرة الوالد، أيا كان موقعه، رئيس جمهورية، أو وزير أو رئيس شركة.

وهذا الأسلوب كان سائدًا في عصر مبارك. فابنه جمال فرض سيطرته علي كل مصر، حسب موقع والده، وصفوت الشريف، احتكر ابنه مجال الإعلام والإعلان وهكذا.. وهذا يطرح سؤالاً: هل حسن يونس استثناء عن هذه القاعدة؟ خاصة في ضوء ما يتردد من معلومات يرفض هو التعليق عليها، وجميعها تشير بوضوح إلي قيامه بتعيين ابنه، وأبناء كبار رجال الوزارة في الشركات الاستثمارية لقطاع الكهرباء.

تم نقلهم بعد ذلك في شركة مشتركة مصرية- ليبية برواتب خيالية، هذه الشركة تملك فيها وزارة الكهرباء قرابة الـ50% من أسهمها، فهل هذا يعتبر من قبيل التربح؟ وفقاً للتعريف القانوني لمفهوم التربح، نحن هنا لا نتهم أحداً بعينه، بقدر ما هي محاولة من جانبنا لوقف نزيف القصص المتداولة داخل وزارة الكهرباء، وتبرئة الوزير منها وفقاً لمبدأ الشفافية لمنع توزيع الاتهامات ذات اليمين واليسار، ولذا فالمطلوب منه الافصاح عن ثروته، ومصادر ذمته المالية، خاصة أنه قضي عشر سنوات متصلة في منصبه، وزيراً للكهرباء وفي عهد اتسم بالفضائح والتربح بلا حدود ويحاكم رموزه الآن في اتهامات نهب ثروات الشعب، خاصة أن حسن يونس مسئول عن الوزارة التي تعمل في مجالات متعددة وتتبعها هيئات لا حصر لها، وجميع هذه الهيئات لها أنشطة استثمارية وقروض لعل آخرها تلك القروض التي بلغت 9.5 مليار ين من اليابان لتمويل مشروع محطة الكريمات للطاقة الشمسية و6 مليارات جنيه لإقامة محطة العين السخنة.

هذه المبالغ تفتح شهية إقامة اللجان والاجتماعات وما بينها من بدلات ومكافآت وخلافه، ولتحقيق الهدف من المكافآت تصبح هناك ضرورة لصانع القرار في ترشيح وتعيين القيادات داخل الهيئات وأبرزها ما يجري في هيئة الطاقة الذرية التي يتقدم الصفوف فيها أرباب المعاشات، مثل رئيس الهيئة ونائبه الذي جري تعيينه والمد في خدمته بموجب القرار 1491 لسنة 2010 ولأن الأمور سداح مداح جري دمج الإدارات لتعظيم ميزانياتها والانفراد بالقرار الذي يتيح أكبر قدر من المكافآت والذي منه.

ولذلك لم يكن غريباً أن جهاز الكسب غير المشروع طلب من الرقابة الإدارية ومباحث الأموال العامة تحريات عن قيادات الهيئة تمهيداً للتحقيق مع كل من يثبت تورطه في أعمال تربح من الوظيفة علي حساب المال العام، ويأتي ذلك متزامناً مع تقديمه بلاغات للمستشار عاصم الجوهري تتهم قيادات الهيئة بانفاق 63 مليون جنيه مكافآت من صندوق دعم البحوث ولم يتم دعم البحوث.