نكبة العرب فى 48 و الانتفاضة الفلسطينية الثالثة

"استعدادات عسكرية وأمنية إسرائيلية لم يسبق لها مثيل.. إغلاق مدينة القدس وتحويلها لثكنة عسكرية.. وضع المتاريس والحواجز الأمنية فى كل شبر من الضفة الغربية والقدس المحتلة.. وضع قوات الشرطة الإسرائيلية فى حالة استنفار دائم على مدار الساعة" كل هذا الرعب والفزع الإسرائيلى، الذى تعيشه الدولة العربية المقامة على أنقاض الأراضى الفلسطينية انطلق منذ عدة أيام، ولا يزال مستمرًا قبل ساعات قليلة من إحياء العرب والفلسطينيين لذكرى نكبتهم الـ 63 اليوم، الأحد، فى اليوم نفسه الـ 15 من مايو عام 1948، حيث قامت العصابات الصهيونية باغتصاب فلسطين، ومنذ ذلك اليوم والصراع العربى الإسرائيلى مستمر لا يهدأ.. صراع على الوجود، ذاته استخدمت فيه كافة الآليات المتاحة من انتفاضات وعمليات عسكرية واغتيالات وتفجيرات وحروب ثقافية ضارية.

فقد قرر مفتش عام الشرطة الإسرائيلية "يوحنان دانينو" الإبقاء على الانتشار المكثف لقواته فى مختلف القدس والضفة بل وكافة المدن والقرى الإسرائيلية، وخاصة فى أعقاب المواجهات التى وقعت مساء أمس واليوم بين قواته والفلسطينيين.

وكان قد كشف التليفزيون الإسرائيلى أن الشرطة على أهبة الاستعداد تحسبا لوقوع المظاهرات الضخمة التى ينوى الفلسطينيون القيام بها غدًا خلال فعاليات ذكرى "النكبة".

يأتى ذلك فى عامنا هذا 2011 .. عام الثورات العربية التى بدأت بتونس ثم مصر وانتقلت إلى العديد من الدول العربية.. قرر الشباب المصرى والعربى من كل دولة أن تكون هناك نقطة تحول فى هذا الصراع، حيث تتوجه أنظار الثوار العرب مجتمعين إلى فلسطين، قاصدين الزحف إليها وتحريرها بعد أن انطلقت تلك الدعوات منذ عدة أسابع عبر مواقع التواصل الاجتماعى وموقع "الفيس بوك" لإشعال "لانتفاضة الفلسطينية الثالثة".

وقد انطلقت شرارة "النكبة" برسالة بعث بها وزير الخارجية البريطانية "أرثر جيمس بلفور" عام 1917 إلى اللورد "روتشيلد" أحد زعماء الحركة الصهيونية، كخطوة أولية من قبل الغرب لإنشاء كيان لليهود على تراب فلسطين فيما عرف باسم "وعد بلفور" الذى عرف بوعد من لا يملك لمن لا يستحق، وقد قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدًا بإقامة دولة لليهود فى فلسطين.

نص رسالة بلفور:
عزيزى اللورد روتشيلد
يسرنى جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالى الذى ينطوى على العطف على أمانى اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومى للشعب اليهودى فى فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التى تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن فى فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسى الذى يتمتع به اليهود فى البلدان الأخرى".

وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيونى علما بهذا التصريح.

هجرة اليهود إلى فلسطين:
بمجرد إعلان وعد بلفور زادت تطلعات اليهود إلى الهجرات إلى فلسطين ولتحقيق ذلك كان لابد من احتلال فلسطين من قبل القوات البريطانية فى سبتمبر 1918 أعقبه بعام الموجة الثالثة من المهاجرين اليهود التى شملت أكثر من 35 ألف يهودى مما زاد نسبة السكان اليهود فى فلسطين إلى 12٪ من المجموع الكلى، وذلك بعد الهجرتين الأولى والثانية.

وبلغت ملكية اليهود للأراضى عام 1923 3٪ من مساحة فلسطين.

وفى 29 سبتمبر 1923 بدأ الانتداب البريطانى على فلسطين يدخل رسميا حيز التنفيذ، فيما وصلت فى العام التالى الدفعة الرابعة من المهاجرين الصهاينة المكوّنة من 67 ألف مهاجر يهودى، وأغلبيتهم كانت من بولندا.

تزايد نسبة السكان اليهود فى فلسطين إلى 16٪ من المجموع الكلى، وتزايدت ملكيتهم للأراضى لتصبح 4.2٪ من مساحة البلد فى عام 1928.

وفى عام 1925 طالبت الحركة الصهيونية (التى أسسها الصهيونى البولندى زائيف جابوتينسكى فى باريس) تطالب بإنشاء دولة يهودية ليس فقط فى فلسطين، بل فى شرق الأردن أيضاً، وأكدت على أهمية تواجد القوة العسكرية لحماية الحركة الصهيونية.

وفى 1929 وصلت الدفعة الخامسة من المهاجرين اليهود التى شملت أكثر من 250 ألف مهاجر يهودى، مما زاد نسبة السكان اليهود فى فلسطين إلى 30٪، وأما عن نسبة ملكيتهم للأراضى فى عام 1939 بلغت 5.7٪ من مساحة البلاد.

وفى 1939 صوت مجلس العموم البريطانى بنسبة 268 إلى 179 للمصادقة على الكتاب الأبيض الصادر عن وزير الدولة الاستعمارية مالكولم ماكدونالد.

الكتاب الأبيض يدعو إلى استقلال مشروط لدولة فلسطينية موحدة بعد عشر سنوات؛ قبول 15 ألف مهاجر يهودى لفلسطين سنويا لمدة خمس سنوات، أى هجرة بعد ذلك تخضع للموافقة العربية؛ حماية الأراضى الفلسطينية من اليهود.

وفى عام 1940 وصل أكثر من 60 ألف يهودى لفلسطين، بما فى ذلك 20-25 ألف مُهاجر يهودى دخلوا فلسطين بصورة غير قانونية (من أبريل 1939 إلى ديسمبر 1945)، مما أدى لزيادة عدد السكان اليهود فى فلسطين إلى 31٪.

وارتفعت نسبة ملكية الأراضى الصهيونية إلى 6.0٪ من مساحة فلسطين، وفى فبراير 1942 قتلت الشرطة البريطانية لأبراهام شتيرن.

وتلقت عصابة شتيرن الدعم المالى والعسكرى من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية لإرهاب الانتداب البريطانى والشعب الفلسطينى غضون الحرب العالمية الثانية.

وفى يناير 1944 اندمجت عصابتا شتيرن وإيتزل وشنا حملة إرهابية ضد البريطانيين والفلسطينيين بسبب توصيات الكتاب الأبيض الصادر فى عام 1939.

الاستعدادات اليهودية قبل الحرب:
كانت القيادات اليهودية والصهيونية قد شرعت فى إعداد خطط عسكرية تفصيلية منذ مطلع عام 1945 توقعا للمواجهة العسكرية الوشيكة مع العرب وفى مايو من عام 1946 رسمت العصابات الصهيونية "الهاجاناه" خطة أسميت بخطة مايو 1946 فيما بعد، وكانت السياسة العامة لهذه الخطة تقضى بما يسمى بـ "الإجراءات المضادة" وانحصرت فى مناطق عمليات العدو وأيضا خارج حدوده الجغرافية.

فى اليوم التالى لقرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين بدأت الهاجاناه بدعوة جميع اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين خلال السنوات التى سبق عام 1948 بين سن 17 و 25 عاما إلى الخدمة العسكرية، وبدء العمل على تحضير الخطة "دالت" وكان الغرض من هذه الخطة الاستحواذ على المناطق العربية التى أعدت لإقامة الدولة اليهودية عليها.

الاستعدادات العربية والفلسطينية للحرب
قدرت حجم القوة العسكرية اليهودية عام 1946 بـ 62000 يهودى، فى حين كانت أعداد القوات الفلسطينية لا تذكر نظرا لضاءلتها.

وكان الفلسطينيون يتطلعون إلى "الجامعة العربية" التى قامت بأول خطوة لتوفير الاحتياجات الدفاعية للفلسطينيين فى سبتمبر عام 1947 بما عرف باللجنة العسكرية الفنية، وذلك لتقييم المتطلبات الدفاعية الفلسطينية، وخرج التقرير باستنتاجات تؤكد قوة اليهود، وأكدت أيضا أنه ليس للفلسطينيين من قوى بشرية أو تنظيم أو سلاح أو ذخيرة يوازى أو يقارب ما لدى العصابات الصهيونية.

وحث التقرير الدول العربية على تعبئة كامل قوتها فقامت الجامعة بتخصيص مبلغ مليون جنيه إسترلينى للجنة الفنية، وقبل إصدار قرار التقسيم حذر اللواء "إسماعيل صفوت" رئيس اللجنة الفنية فى ذلك الوقت أنه بات من المستحيل التغلب على القوات اليهودية باستخدام قوات غير نظامية وأنه ليس باستطاعة الدول العربية أن تتحمل حربًا طويلة.

قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين
وبعد قرار التقسيم فى 27 نوفمبر عام 1947 من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة على بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية فلسطينية وتدويل منطقة القدس ووضعها تحت حكم دولى بحيث يكون 56% من الأراضى لليهود و43% من الأراضى للعرب و1% منطقة القدس "منطقة دولية تم وضعها تحت الانتداب بإدارة الأمم المتحدة" اجتمعت الدول العربية فى القاهرة بين 8 و17 ديسمبر 1947 وأعلنت أن تقسيم فلسطين غير قانونى وتقرر أن يتم توفير 10000 بندقية و3000 متطوع وهو ما أصبح يعرف بعد ذلك بـ "بجيش الإنقاذ" بينهم 500 فلسطينى ومبلغ مليون جنيه فى تصرف اللجنة العسكرية الفنية.

تطور الأحداث بعد قرار تقسيم فلسطين
تصاعدت حدّة القتال بعد قرار التقسيم فى بداية عام 1948 وتشكل جيش الإنقاذ بقيادة فوزى القاوقجى، وبحلول يناير 1948 كانت منظمتا "الارجون" و"شتيرن" قد لجأتا إلى استخدام السيارات المفخخة، حيث تم تفجير مركز الحكومة فى يافا فى 4 يناير من العام نفسه مما يسفر عن مقتل 26 مدنيا فلسطينياً.

وفى مارس عام 1948 قام المقاتلون الفلسطينيون غير النظاميين بنسف مقر الوكالة اليهودية فى القدس، مما أدى إلى مقتل 11 يهوديا وجرح 86 آخرين، وفى 12 أبريل 1948 قررت الجامعة العربية بزحف الجيوش العربية إلى فلسطين فى حين أكدت اللجنة السياسية أن الجيوش لن تدخل قبل انسحاب بريطانيا المزمع فى 15 مايو.

انتهاء الانتداب وبدء الحرب
انتهى الانتداب البريطانى على فلسطين نهاية يوم 14 مايو 1948، وفى اليوم التالى أصبح إعلان قيام دولة إسرائيل سارى المفعول ومباشرة بدأت الحرب بين الكيان الجديد والدول العربية المجاورة.

وفى 3 مارس عام 1949 أعلن انتهاء الحرب بين الجيوش العربية والعصابات الصهيونية المسلحة فى فلسطين بعد قبول مجلس الأمن الدولى إسرائيل عضوا كاملا فى الأمم المتحدة وقبول الدول العربية الهدنة الثانية.

وكانت المعارك فى فلسطين قد بدأت فى مايو 1948 بعد انتهاء الانتداب البريطانى على فلسطين وإعلان العصابات الصهيونية قيام دولة إسرائيل على المساحات الخاضعة لسيطرتها فى فلسطين.

تدفقت الجيوش العربية من مصر وسوريا والعراق وإمارة شرق الأردن على فلسطين ونجحت القوات العربية فى تحقيق انتصارات كبيرة فى بداية الحرب، وفى 16 مايو 1948 اعترف رئيس الولايات الأمريكية المتحدة "هارى ترومان" بدولة إسرائيل لتصبح أول دولة فى العالم تعترف بها.

ودخلت أول وحدة من القوات النظامية المصرية حدود فلسطين وهاجمت هذه القوات مستعمرتى "كفر داروم" و"ننتسريم" اليهوديتان فى النقب، كما عبرت 3 ألوية تابعة للجيش الأردنى نهر الأردن إلى فلسطين، واستعادت القوات النظامية اللبنانية قريتى المالكية وقَدَس على الحدود اللبنانية وحررتهما من عصابات "الهاجاناه" الصهيونية.

واستمرت المعارك على هذا النحو حتى تدخلت القوى الدولية وفرضت عليها هدنة تتضمن حظر تزويد أى من أطراف الصراع بالأسلحة ومحاولة التوصل إلى تسوية سلمية.

ولكن العصابات الصهيونية انتهزت الهدنة من أجل إعادة تجميع صفوفها والحصول على السلاح من الخارج وبخاصة من الدول الكبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة التى فرضت الهدنة فى البداية.

وعندما استؤنفت المعارك من جديد كان للعصابات الصهيونية اليد العليا واتخذت المعارك مسارًا مختلفًا وتعرضت القوات العربية لسلسلة من الهزائم واستطاعت العصابات الصهيونية المسلحة فرض سيطرتها على مساحات واسعة من أراضى فلسطين التاريخية وانتهت المعارك بقبول العرب الهدنة الثانية التى كانت اعترافا بالهزيمة وتدخل حرب فلسطين التاريخ العربى تحت اسم "النكبة".