نريدها ثورة شاملة تغير وجه الحياة علي أرض الوطن بقلم: د‏.‏ مصطفي النشار

اخبار مصر لحظة بلحظة ثورة 25 يناير مظاهرات فى مصر ميدان التحرير الان
شهدت مصر في الخامس والعشرين من يناير أهم ثورة في تاريخ البشرية‏;‏ وما ذلك إلا لأنها كانت ثورة انصهر في بوتقتها جميع فئات الشعب المصري شبابا وشيوخا ونساء وأطفالا‏,‏ شعبا وجيشا‏,‏ مسلمين ومسيحيين‏.‏

كان الكل في واحد وكان الجميع يحنو علي الجميع باستثناء تلك الأحداث المؤسفة التي ترتبت علي غياب الشرطة وفتح أبواب السجون للمجرمين والقتلة الذين روعوا الناس في بعض الأحياء والمدن وحتي في هذه الحالة وقف المصريون جميعا يدا واحدة ليشكلوا ما سمي اللجان الشعبية التي حمت البيوت والمصانع بل وكل المنشآت من التخريب والنهب.
لقد كانت كل لحظة من لحظات الثورة تشهد جديدا يزيد من تلاحم الشعب بكل طوائفه وفئاته مع الجيش للحفاظ علي مصر برغم سخونة الأحداث وتداعياتها. لقد أزاحت الثورة منذ نجاحها في الحادي عشر من فبراير بتنحي الرئيس عبئا ثقيلا عن كل المصريين. إنه الاستبداد السياسي والاحتكار الاقتصادي لفئة من الحكام وتابعيهم كانت تظن أن مصر دانت لهم إلي الأبد وأنها قد أصبحت وليمة سهلة لا يشبعون منها مهما نهبوا, وأن أهلها ليسوا إلا عبيدا كلما استبدوا بهم رضخوا. ولقد أثبت الشعب المصري بقيادة شبابه أنه شعب أبي يصبر علي مستبديه طويلا, لكنه حينما يثور لا تتوقف ثورته حتي يحقق النصر الكامل والشامل.
إن لأي ثورة بحجم ثورة مصر العظيمة نتائج تنعكس علي حياة الشعب, فأين هذه النتائج؟! فإذا قلنا إن نتائجها اتضحت في كشف الفساد وبدء محاسبة الفاسدين ومحاكمتهم. فالحقيقة أن ما تحقق في هذا الجانب ضئيل, إذ لا يزال الأمر في مرحلة جمع المعلومات والقيل والقال, فيما يقدم من بلاغات يتم التحقيق فيها بسرعة السلحفاة, بينما الأمر بالنسبة للشعب واضح وضوح الشمس.
وإذا قيل إن أبرز نتائج الثورة هو ذلك التغيير السياسي الذي نشهده بداية من التغيير الوزاري وتشكيل وزارة جديدة والاستفتاء علي تعديل بعض مواد الدستور وإصدار الإعلان الدستوري الذي ينظم إدارة الحياة في البلاد حتي انتخابات المجالس النيابية والرئيس القادم, لقال الناس في بلادي إنها إجراءات طالت وتناقضت دون داع. فقد كان ولا يزال الرأي الأصوب هو ضرورة تسليم السلطة لمجلس رئاسي مؤقت وانتخاب هيئة تأسيسية تمثل كل الشعب لوضع دستور جديد ينتخب علي أساسه المجلس النيابي والرئيس الجديد علي أسس جديدة تماما عما هو موجود في الدستور الحالي. إننا نضيع الكثير من الوقت في التعديل ثم التعديل دون أن ندرك أن الثورة تعني إسقاط الدستور القائم بكل ما فيه ليبدأ عصر الجمهورية الثانية بدستور جديد تماما يحدد صورة النظام السياسي القادم: هل هو نظام برلماني أم رئاسي أم يجمع بين البديلين, وعلي أي صورة يكون هذا الجمع ويحدد الضمانات التي تتيح تداول السلطة والعلاقة بين السلطات كما يحدد النظام الاقتصادي للبلاد وضمانات تحقيق العدالة الاجتماعية بين طوائف الشعب وفئاته, كما ينص علي الحقوق الأساسية للأفراد وضمانات تمتع الأفراد بهذه الحقوق.
إن الناس في بلادي يدركون جيدا أنهم أمام مرحلة جديدة في حياتهم السياسية وأن هذه المرحلة كانت تتطلب سرعة تحديد ملامح الجمهورية الجديدة من خلال وضع الدستور الجديد أولا للتخلص من عوار وتناقضات الدستور القديم مرة واحدة بدلا من التخلص منه علي مراحل تعرقل تطور الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد. إن وضع الدستور الجديد أولا سيوفر علينا الكثير من الإجراءات ويقلل من تكلفة انتخابات نيابية ربما لن نكون في حاجة إليها; فهل نحن في حاجة مثلا إلي انتخابات مجلس شوري جديد. إن الكثير من الآراء تري أن ذلك المجلس كان من الزوائد التي لا حاجة لنا بها الآن فيكفي وجود مجلس شعب قوي يكون سيدا حقيقيا لكل السلطات الأخري!
إن وضع دستور جديد تماما للبلاد في ظل وجود مجلس رئاسي يقود البلاد في هذه المرحلة الانتقالية كان ولا يزال هو البداية الصحيحة للجمهورية الثانية التي فرضتها الثورة المصرية العظيمة.
إن الشعب يريد نظاما تعليميا جديدا يمحو الأمية من هذا المجتمع ويقوده إلي آفاق جديدة للتقدم في كل نواحي الحياة. فأين ذلك؟! إننا للآن لا نتحدث عن شيء من ذلك. لقد كان ثمة مشروعات لهيكلة نظامنا التعليمي في مرحلة التعليم قبل الجامعي وتوقف الحديث عنها الآن! وكنا نتحدث عن مشروعات لتطوير التعليم العالي ونظم الجودة والاعتماد فيه. وتوقف الحديث عن هذا. فإذا كان الحديث نفسه قد توقف في هذا الاتجاه. فهل يعني ذلك أننا سنفعل دون أن نتحدث ونستكمل إعادة الهيكلة وإعادة بناء نظامنا التعليمي؟
إن الشعب يريد إعلاما جديدا يعبر عن أحلامه وطموحاته ويعكس كل ما يجري في المجتمع من عمل جاد. وليس هذا الإعلام الذي يصدعهم ليل نهار بحوارات ونجوم عفا عليها وعليهم الزمن. إن الخطاب الإعلامي الحالي في الإعلام الحكومي والخاص خطاب ممل ولا يواكب مطلقا حركة الحياة في المجتمع. إن الشعب يريد إعلاما ينقل له نبض الحياة في الحقول والمصانع والمدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي ولا يتوقف عند مجرد السهرات والبرامج الحوارية التي لم تعد لها قيمة الآن; لقد كان لها قيمة فيما مضي لأنها كانت أداة للتنفيس وكشف العورات ومواطن الفساد, لكننا الآن بصدد بناء حياة جديدة لمجتمع جديد بقدوة جديدة, فلينزل الإعلام إلي الشارع والمصنع والحقل والمعمل ليحيي البناة الحقيقيين للوطن الجديد الذي ننشده.
وهكذا الحال في ثقافة ما بعد الثورة. إن الشعب يريد من مثقفيه وصناع ثقافته أن يركزوا علي ثقافة التقدم ويحاربوا ثقافة التخلف والجمود عبر برامج جادة يشاركون هم في صنعها. إن الشعب يريد وزارة ثقافة لا يتوقف إنجازها عند مكلمات الصفوة المثقفة والنخب المختارة, بل يريد وزارة تصل إليه في حقله ومصنعه, في الدلتا وفي الصعيد, بل وفي حلايب وشلاتين. إن الشعب يريد باختصار ثورة في كل مجالات الحياة يشارك فيها الناس ويحسون بأنهم صناعها والمستفيدون منها اليوم وليس غدا. إن صبر الشعب قد نفد من السنوات التي ضاعت عليه في ظل النظام السابق وهو يريد أن يحس بأن ثورته التي صنعها عادت إليه وعليه بالنفع. إنه يريدها ثورة تحقق تغييرا شاملا في كل نواحي حياته.