صناعة الأشباح إبراهيم عيسى

الرئيس مبارك انتهي ، ما هو موجود الآن رئيس مخلوع وشخص هرم يشعر بالإحباط والألم والغضب والفراغ فيبذل جهدا في اتصالات عبثية عصبية مع رجال يتحملونه بضيق صدر أو يرسل طلبات مستحيلة لوزراء يعلقون بمنتهي النفور والتهكم علي صاحبها فور وضع سماعة التليفون ،

الرئيس المخلوع يمر بمرحلة يمر بها أي مريض تعرض لعملية بتر لعضو من أعضائه وهي التي يتعامل فيها كأنه لم يفقد جزءا من جسده إنكارا للحقيقة أو هروبا من الواقع أو اعتيادا علي ماض.

الآن تنتشر تحليلات بعضها من عقلاء تحذر مما يتآمر به مبارك علي الثورة والرجل رئيس مخلوع ومريض مكتئب وكأن المطلوب أن نتصور أنه سيعود للحكم أو يجلس علي مقعد الرئاسة من جديد وهذا عبث ممن يروجه أكثر مما يكون عبثا ممن يفكر فيه هذا لو كان يفكر فيه او يفكر أصلا.

هل خلق هذا الشبح مقصود منه إعادة شحن وتعبئة لرجال ونظام مبارك البائد مثلا؟
هل المطلوب أن ينتهي إلي تردد أو ارتباك في هذه الصلابة الثورية الشعبية التي أزاحت الديكتاتور؟

أخشي أن التهديد بأن مبارك موجود خلف الحائط إنما يخدش هذا النصر الحاسم والنهائي الذي حققه الشعب برحيل الديكتاتور ثم أنه يعطلنا عن اسقاط الديكتاتورية فحتي الآن نجح المصريون في التخلص من الديكتاتور ولم يعد لهم من مهمة إلا استكمال اسقاط الديكتاتورية كنظام حكم لاتزال أدواته ووسائله كما هي وإن تلونت وإن تمسكنت.

المؤكد أن مبارك ونجله الموهوم جمال مبارك وزوجته الرئيسة التنفيذية السابقة قد انتهوا تماما وكأي أسرة حاكمة سابقة فهي لن تتوقف عن أحلام كالأوهام تدفع بها كوابيس واقعها وتدافع بها عن اكتئابها ولعلي لا أسابق الزمن حين أقول أن صحة البعض منهم البدنية والنفسية لن تتحمل أسابيع أو شهورا قادمة.

الشعب أسقط الرئيس حتي لو ظل ظله في شرم الشيخ يبكي أطلال استبداده ومهمتنا الأهم الآن هي إحياء الهدف السادس للثورة القديمة (لعلكم تتذكرونها؟) إقامة حياة ديمقراطية سليمة

وهي طبعا لن تقوم بمن يصنع الأشباح ليخاف منها أو يخوف بها ،ليطردها أو يطاردها.

أما شبح الاخوان المسلمين الذي يراه البعض محلقا محدقا بالثورة فهو إعادة سقيمة بليدة لفيلم الفزاعة الشهير الذي كان يروجه مبارك والمدهش أن الاستناد علي صورة الشيخ يوسف القرضاوي في الميدان يتجاهل اغفالا او استغفالا أننا كنا في صلاة جمعة وهذا شيخ كبير وشهير يقف كخطيب صلاة وليس كزعيم مظاهرة ثم أن ثورة يناير حطمت أسطورة أن للاخوان تلك الشعبية الكاسحة في الشارع وبات واضحا إلا للذي في قلبه عمي أن الاخوان فصيل سياسي مهم ومنظم ولكنه لا هو الأكبر ولا الأهم ولا الأنجح إطلاقا

شبح ان الثورة ستسقط في يد الاخوان يتم ترويجه لإجهاض الثورة أولتفضيل الاستمرار تحت كنف الكنيف السياسي الذي كان ولعله لايزال يحكم لا أن نسعي لتدمير هذا البناء الخرب الذي يجثم علي وطننا منذ ثلاثين عاما

طبعا الاخوان يحاولون توسيع رقعة تواجدهم وتعظيم مكاسبهم بل والانتقام من أيام السجن والذل والمدهش أن هذا حقهم تماما في ظل ديمقراطية لا تقوم علي الإزاحة أو الاستبعاد لكنهم لن يصلوا إلي الحكم لأن الثابت بثورة يناير أن الشعب لايريدهم ولا يفضلهم ولا يسير وراءهم والمطلوب التوقف عن استنزافنا بالجري وراء شبح سيطرة الاخوان علي الثورة والبدء الفوري في منافستهم والهجوم علي مشروعهم السياسي والصراع علي الأرض من دائرة إلي أخري ومن صندوق إلي صندوق وليس هذا الاعتراف الهرائي بأنهم سيكسبون ويسيطرون ، التخوف من نفوذ الاخوان مشروع لكن الذعر والجنان والتوهم بأنهم قادمون حتما وراكبون فعلا فهذا هزل من البعض وهزال من البعض الآخر ،

العجيب أن الذي يخلق شبح الاخوان هو نفسه الذي يحارب حقيقة أن الشعب يخلق قيادته.